الجهات التسع

أحمد جمال.. المعلّم والأسطورة

أحمد جمال من الفنّانين العالميين العظام الذين نجهل عنهم الكثير من الوطن العربي. وهو، بعكس ما قد يوحي به هذا الاسم، ليس فناناً عربياً، ولا ينحدر من والدين ناطقين بالعربية، ولا يعيش في أيّ بلد عربي، لأنّه بكلّ بساطة فنان موسيقي أميركي الجنسية، علاوة طبعاً على أنه أميركي المولد والموطن، يحظى حالياً بشهرة عالمية، لكونه عازفاً وملحّناً لموسيقى الجاز، بل هو من بين أعظم عازفي البيانو على مدار تاريخ هذه الموسيقى.

البدايات مع الجاز

ولد أحمد جمال (واسمه الحقيقي فريدريك روسل جونز) في 2 تموز/ يوليو عام 1930 في بيتسبرغ (الولايات المتحدة). قام بتغيير اسمه ابتداء من 1952 بعد اعتناقه الإسلام، مثل كثير من مشاهير الأفرو- أميركيين، الذين قاموا بتغيير ديانتهم، ومعها أسمائهم أيضاً، ومنهم على سبيل المثال: محمد علي (كلاي)، مالكولم إكس، مالك عبد العزيز (تايسون). واختار منذ بداياته المبكرة العزف ضمن ثلاثي موسيقي أسّسه عام 1950، وأطلق عليه اسم “الأوتار الثلاثة”، مع عازفي الغيتار، راي كراوفورد، وإدي كالهون، الذي حلّ محله إسرائيل كروسبي، بعد ذلك بعام. كان هذا الثلاثي يعزف في نادي “بلو نوت” في شيكاغو، حين اكتشفه المنتج جون هاموند خلال حضوره حفلاً موسيقياً في “إمبرز” بنيويورك، وسجّل أوّل أغانيه، التي تحمل عنوان “أوكي OKeh”، في عام 1951، ثمّ ستليها جلسات لتسجيل أغنية “إبيك Epic”. بعدها، ستتراكم الكثير من الأعمال الموسيقية العظيمة، وستصبح بعض المقطوعات علامة تجارية مسجّلة حصريّاً باسم أحمد جمال، خصوصاً تلك التي تتوزّع بين موضوعات أصلية مثل “Ahmad’s Blues”، أو “New Rhumba”، أو بعض الاستعادات المبتكرة لأغاني شهيرة مثل: “Love for Sale” “،”Billy Boy” ،”Autumn Leaves…
قال الموسيقي الأسطوري، مايلز ديفيس، عام 1958: “كلُّ إلهامي جاء من موسيقى أحمد جمال، عازف البيانو في شيكاغو”. وفعلاً، ساعدت هذه الكلمات كثيراً في صناعة أسطورة جمال، لكنها أيضاً أثارت انتباه النقاد آنذاك إلى أصالة أفكار هذا العازف الماهر، خصوصاً عند تطبيقها في مجال التأليف الموسيقي، واللّحن المختزل جداً، والتعبير من دون تشنّج، الذي يصل تأثيره من دون أن ينتبه إليه أحد، تحت غطاء من الأنغام الهادئة والأنيقة. لقد سلك أحمد جمال، الذي يعترف بتأثّره بالعازف إيرول غارنر، وهو من مواليد بيتسبيرغ أيضاً، مساراً تصاعدياً حتى منتصف الستينيات. هذا الأفرو – أميركي، الذي قارع ونافس عظماء الجاز منذ الخمسينيات الكبرى، صار أسطورة حيّة مع تلك المجموعة التي أسّسها من 1958 إلى 1961 مع عازف الغيتار، إسرائيل كروسبي، وقارع الدرامز، فيرنيل فورنييه. صحبة هذا الفريق، الذي يعدُّ إلى اليوم واحداً من الثلاثيات العظيمة في تاريخ الجاز، قام جمال بتطوير فنّه المتفرّد، المبنيّ على مفاجأة المستمع، وكسر توقّعه، واستخدام الصّمت بنغمات رومانسية ذات إيقاع ديناميكي وخفيف.

تطوير وظيفة “الثلاثي”

ما يُعرف بصيغة “الثلاثي” الموسيقي، التي صمَّمها أحمد جمال عام 1956، وتتكوّن من عازف بيانو/ كونترباص/ قارع الدرامز، عكست بوضوح مفهومه الفنّي لوظيفة الثلاثي. فهذا العازف الماهر على البيانو سرعان ما تفرّد بعزفه الصارم الذي يستخدم بدقّة مثالية تكاملَ الآلات، حيث يندمج أعضاء الثلاثي جميعاً في خدمة المنظور الأصلي للثيمات، أو الموضوعات. إنّ عزفه على البيانو، ضمن هذا الثلاثي، يساهم في ترتيب الأصوات عبر أشكال منظّمة وواضحة للغاية ومنحوتة في صمت كبير. هكذا، قدّم جمال تصوّراً جديداً لعمل ثلاثي الجاز، من خلال التركيز على وظيفته الأوركسترالية أيضاً، وهي وظيفة تنبني على الترابط الوثيق بين أعضائه، والبحث عن صوت شامل. يقول في هذا الصدد: “إنّ الثلاثي ليس فقط اجتماع ثلاثة موسيقيين؛ إنّه فرقة صغيرة. يمكن أن تكون لديك مجموعة كبيرة من الموسيقيين، ولكن يؤدّون صوتاً محدوداً، بينما يمكن أن تؤدّي فرقة صغيرة أصواتاً شاسعة جداً. كانت فكرتنا هي جعل الصوت الثلاثي يشتغل مثل أوركسترا، مع الانضباط والإحساس بمعمار المقطوعة. البيانو هو أوركسترا بمفردها، مثل فرقتي الصغيرة، وهو امتداد لها”.
أمّا التجديد الثاني الذي أدخله أحمد جمال على الثلاثي، فيتمثّل في طبيعة أدائه الذي يستند إلى مقاربة صارمة ترفض وفرة المؤثّرات المفرطة، بحيث تأتي متقشّفة للغاية في اختيار النوتات التي تكفي لمسة واحدة لعزلها عن بعضها البعض. ومن هذا المزيج المذهل من التجرّد والإتقان، يتخيّل العازف تعبيراً سلساً لموسيقى غير متسرّعة (بطعم الإيقاعات المتوسّطة) متحكَّماً باستمرار في مسارها وديناميكياتها. وسرعان ما تمتّعت هذه الفرقة، التي اشتغلت بشكلٍ دائم في فندق Pershing في شيكاغو، بشعبية كبيرة بعد تسجيل شامل يتضمّن أداء لمقطوعتيّ “But not for Me” و”Poinciana”. وبعد أسابيع من دخولها لائحة الأغاني الناجحة، حقّقت الفرقة نجاحاً كبيراً، تمكّن بعده أحمد جمال من امتلاك ناديه الخاصّ، المسمّى “قصر الحمراء The Alhambra”، الّذي سيصير محلّاً للتّسجيل بانتظام، وانطلاقاً منه سيعلن عن اسمه الفنّي الخاصّ.

تأثير مستمر وتكريس متأخر

كان لاختيار المواضيع عند أحمد جمال، وتماسك الإيقاع، وفنّ التنفّس، والصمت، والبحث عن صوت شامل، تأثير عميق على العديد من معاصريه الموسيقيين، أبرزهم مايلز ديفيس، الذي استلهم منه عدداً كبيراً من المقطوعات، وشجّع عازفيه على البيانو (ريد جارلاند، وبيل إيفانز) على أن يستمعا إليه. وإلى جانب تأثيره على وظيفة عازف البوق، كان تأثير أحمد جمال على الأداء الفنّي للثلاثي كبيراً جداً. ومع ذلك، فإنّ مهنة عازف البيانو لم تكن دائماً خالية من الحوادث. فقد تفرّق الثلاثي نهائياً في عام 1962، ما شكّل نقطة تحوّل عزّزتها بعض المشاكل الشخصية. لذلك، كان من الصعب للغاية إيجاد ثلاثي موسيقي جديد ومتكامل على غرار الموسيقيين الّذين رافقوه منذ البداية. لكنه، بعد استقراره في نيويورك، سيجرّب أكثر من ثنائي مختلف، لعلّ أكثرهم ديمومة هو الثنائي جميل ناصر وفرانك غانت (1966-1972). في هذه الفترة، تراجع إنتاجه الفونوغرافي نسبيّاً، رغم تعاونه مع شركات مختلفة، لكنّه بقي منتظماً مع ذلك، وحقّق مبيعات مستمرّة. كما كان يلجأ في بعض الأحيان إلى استعمال لوحة المفاتيح الكهربائية، أو يقوم بالعزف ضمن بعض الأوركسترات. وبالتدريج، سوف يتوسّع الثلاثي الذي كان يعزف معه بانضمام عازف غيتار، أو قارع طبول، لضمان استمرارية الفرقة. وبخصوص هذا الموضوع، احتفظ أحمد جمال دائماً بميل كبير إلى تفضيل عازفي الدرامز القادمين من لويزيانا (هيرلين رايلي، جوردون لين، إدريس محمد…)، لأنّهم في رأيه يمنحون معزوفاته عطراً لامرئياً غير مسبوق.
مع بداية التسعينيات من القرن الماضي، وتحديداً بعد انطلاق تعاون الفنان والشركة الفرنسية Birdology، سينال اسم أحمد جمال ما يستحقّه من اعتراف حقيقي، وشهرة عالمية متزايدة. وفي الحقيقة، ساهم هذا النجاح، الذي وجد له أرضاً خصبة في أوروبا في الأساس، في عودة الأضواء من جديد إلى هذا الفنان الأسطوري، خصوصاً مع إصدار ثلاثة ألبومات بعنوان واحد هو “The Essence”، وهو عمل موسيقي متفرّد جداً.
ورغم أنّ فنّ أحمد جمال كان توجيهياً في أغلب الأحيان، إلّا أنّه تغيّر مع الوقت إلى حدّ كبير، بعد أن نهل بشكل خاص من تأثيرات التناقض العظيمة، وتطوّرات الدراما النشطة، وتغيّرات الدينامية المفاجئة. ولكن، بعيداً عن المظاهر، فإنّه لا يمكن أن ننكر أنّه في أعماق هذا الفنان تسكن روح مهندس معماري عظيم، استطاع أن يخلق من ثلاثي موسيقي بسيط أوركسترا حقيقية بكلّ معنى الكلمة، تعزف كلَّ شيء بجرأة وصفاء نادرين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.