الجهات التسع

إبراهيم بولمينات.. فنان الشتات والجرح العربي

لا يتذكر ذلك جيدا، في ليلة ليلاء، صورة بالأبيض والأسود من مغرب التسعينيات. صغيرا تقرح جسده بندوب المرحلة وبأسئلة جمالية قاحلة، خبأ الحلم في قلبه وحمل حقيبته الصغيرة المتقشفة، متجها صوب مدينة بروكسل البلجيكية لدراسة الفن وشيء في دواخله يئن. لم يكن إبراهيم بولمينات، ذلك الصبي النحيف القلق تجاه فتنة السند والمادة واللون، يعلم أنه سيصير أحد العلامات الفنية البارزة داخل الجيل الجديد داخل المغرب، فالزائر لمعارضه الفنية في مختلف دول العالم، قد لا يصدق أنه مغربي، فالأساليب والتيارات العالمية المتداخلة والمتقاطعة في تجربته، تجعل فنه لا علاقة له بما يروج في سوق الفن المغربي اليوم. أعماله لا تقبل السياجات ولا الحدود ولا التقوقع داخل تيار فني أو مدرسة ما، فهي مفتوحة دائما على الحلم والشتات والجرح العربي والغربة والترحال ومرارة الطبيعة البشرية، تجاه الاجتماع والواقع والوجود. غير أن تأثير الدراسة خارج المغرب، يبدو واضحا في أعماله وقدرته على اللعب بالمادة. فاحتكاكه منذ الصغر مع التجارب العالمية لسنوات طويلة، مكنه من العثور على ذلك القلق القديم تجاه وطن على أهبة الرحيل والموت، محاولا تصريف ذلك المخزون الكبير من الألم داخل أعماله الفنية.

فهو أولا حريص على العرض داخل مختلف مدن العالم، لأن اسمه صار بارزا داخل مؤسساتها الفنية، وثانيا هو يتحاشى أحيانا العرض داخل المغرب، لأسباب “لافنية” ترتبط بأدبيات المؤسسة الفنية، ولا نريد الخوض فيها، ومع ذلك يظل بولمينات حريصا على التماهي مع بعض التجارب الفنية الجديدة داخل المغرب وأخرى داخل جغرافيات عربية مختلفة، مع العلم أن تجربته الفنية، تبدو متلاحمة بشكل كبير مع بعض التجارب العراقية والسورية، ليس من جانبها الجمالي وإنما على المستوى الفكري الذي تنضح به، بسبب رهانه المتواصل على الوقوف في وجه الأنظمة السياسية القمعية، ليس بشكل نقدي مباشر لها، وإنما عن طريق رصد كينونة الإنسان وما تخلفه هذه السلطة من ألم وحزن في الإنسان ورهانه الشديد على كينونة العربي وتوحده ومنفاه الدائم بعواصم مختلفة من العالم.

تنتمي تجربة المغربي إبراهيم بولمينات إلى الأسماء الفنية العربية الجديدة، التي عملت على تجديد موضوعاتها وألوانها وطرق تعبيراتها تجاه جحيم الواقع وقهر التاريخ وهو يرخي بظلاله على الراهن، كمنير الفاطمي ويونس رحمون وصفاء الرواس وغيرهم من الأسماء الفنية القليلة، ممن استطاعوا خلق لغة فنية خاصة بهم داخل جغرافيا الفن المعاصر، بأساليب ومواد وأسندة جديدة وأيضا بموضوعات تجد صداها أكثر في التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي طالت العالم العربي في السنوات الماضية من أسئلة تتعلق بالهوية والذاكرة واللغات والرأسمال الديني وآلام الجسد وغيرها من الموضوعات المرتبطة بالحياة اليومية وبهموم الإنسان العربي، تجاه قضايا السياسة والاجتماع.

والحقيقة أن أسماء مغربية قليلة ممن أتيحت لهم الفرصة مبكرا للدراسة بالمعاهد والكليات الفنية العالمية، كانوا أكثر حظا للاستفادة من التجارب العالمية الكبيرة ومعاينتهم لها داخل المعارض والمتاحف الوطنية ومتابعة إبداعها بشكل يومي، لتتنزل منزلة رفيعة كمرجع في الذاكرة، ومقارنة مع آخرين، ظلت بعض التجارب المغربية المتعثرة بين الحداثة والتقليد، تشكل مرجعا فنيا لهم، في حين نجح البعض الآخر وبإمكانياته الفردية وقدراته الذاتية في تطوير تجربته ونقلها إلى مؤسسات فنية كبرى دون معايير الزمالة والصداقة أو حتى عن طريق أسمدة النقد الكيماوية، وما يمكن أن تقوم به من تزوير في حق التاريخ الفني العربي.

وبالرغم من الابتذال الفني والتشويش المعرفي والمفاهيمي الذي يعاني منه النقد العربي، هنالك تجارب مغربية جد مدهشة وما تحتاج إلا أن يسلط عليها الناقد والصحافي الضوء ويكشف عنها ويخرج أعمالها الفنية من العتمات المجهولة إلى الفضاء المفتوح وإلى دور العرض. فقيمة النقد الفني العربي اليوم، لا تكمن في تكريس الأسماء ذاتها، وإنما في البحث عن تجارب جديدة تشتغل في الظل وما أكثرها. وبقدر ما لعبت بعض المؤسسات الفنية المغربية دورا كبيرا في التعريف برواد الفن المغربي وتجاربهم المؤسسة، مارست عنفا مضمرا وبدون وعي أحيانا على بعض التجارب الجديدة الهامشية منها على الخصوص. وما على الناقد إلا البحث والتنقيب عنها والتعريف بآفاقها الفنية والجمالية وما يمكن أن تفتحه من منعرجات على مستوى الاشتغال داخل الفن المعاصر. كما هو الشأن في تجربة إبراهيم بولمينات وحرصه الدائم على الترحل والسفر في تخوم المادة. كأنه غير راض بقسمة الوجود، من ثم فهو يقوم بتركيبه على طريقته مدينا عنف السلطة وقهرها اليومي وما مارسته في حق الأفراد منذ بدايات الربيع العربي إلى الآن. والحقيقة أن بولمينات ليس الفنان العربي الوحيد، الذي شكلت أعماله الفنية مرآة للربيع العربي، فقد سبقه فنانون كثر من سورية خاصة، لكن مقاربة بولمينات كانت غير مباشرة وغير تقريرية للموضوع، ما جعلت أعماله في هذا الصدد مميزة، لأنه عمل على تذويب الربيع العربي وجرحه في جسد اللوحة لدرجة أن المشاهد قد لا يتعرف على ذلك، بسبب الاشتغال الكثيف حول المادة واللون وتقنية الكولاج لبعض الجرائد العربية، واعيا من جهته للدور السلبي الذي لعبته بعض المنابر الإعلامية في التشويش على مسار الربيع العربي وسلميته ومدنيته. من ثم، فهو يدين هذه المنابر بطريقة فنية وجمالية يغوص معها في حجم الويلات الأليمة التي تركتها السلطة في نفوس الأفراد، لذلك تطالعنا شخصيات بولمينات الجريحة والمعذبة والساخرة من واقعها.

إن المشاهد في معارض بولمينات لا يتعرف على أشباحه، كأنها ممسوخة ولا تمت لعاملنا “الواقعي” بصلة، كأنها انعكاس خفي لما نحن عليه من الداخل، إنها أشبه بنشيد أزلي عن حقيقة مرارة الإنسان في سيرته الحياتية وترحله الدائم بين المنافي والفيافي البعيدة.
إن بولمينات يبني عالما آخر أشد قبحا ومرارة من الذي عاشه اللاجئون العرب إبان الربيع العربي، مضطرين للهرب برا وبحرا للنجاه بأرواحهم، كأنه برسمهم وتشكيل ألمهم يعيد إليهم الحياة التي سلبت منهم. عالم تتضارب فيه قوى الشر مع نفسها، فلا خير ولا جمال فيه، وهو السياق النفسي الداخلي لشخصيات الحرب وجحيمها.

شخصياته تتبدى وكأنها امتداد لعوالم كافكا ودوستويفسكي المنتحرة على أعتاب واقعها. هكذا يتحول مفهوم العمل الفني عند بولمينات إلى وثيقة تاريخية تترسب في الذاكرة ويقيم معها نوعا من النوستالجيا، بغية إدانة الحاضر، فيعيد معها إعادة إنتاج واقع جديد متخيّل، قد يكون صادقا أكثر من الواقع الحقيقي المفبرك بألغام السلطة ومتاهة الإعلام والتحالفات الدولية وغيرها. لكان لماذا قد يلجأ فنان تشكيلي إلى إنتاج عمل فني ضخم مهلك للفكر والجسد والوقت، محاولا سبر أغوار اللحظة التاريخية بكل ألمها وجرحها؟ أفليست الصورة الفوتوغرافية أسهل في التقاط اللحظة ومأساتها؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.