الجهات التسع

“اثنان”… الكبار يحبون حتى الموت

لا تخبرنا المشاهد الأولى من فيلم “اثنان” أو Deux بالفرنسية (*) عن شيء مما يريد الفيلم أن يحكيه، كما لا يخبرنا العنوان المجرد تماماً بقصة الحب القوية التي سنغرق فيها بعد لحظات. كل التفاصيل تخدم حالة الغموض. وبعد قليل من مشهد البُحيرة التي يبعث منظرها على الكآبة، ومن صوت الغربان الذي يتردد في سماء المدينة شبه المعزولة، سنجد أخيراً كلا من نينا ومادلين تتبادلان الابتسام برقة، ثم تختفيان وراء الباب ونعرف أنهما تمارسان الحُب.
الفيلم هو إنتاج مشترك من فرنسا، لوكسمبورغ، بلجيكا. كتب له السيناريو فيليبو مينيجيتي وماليسون بوفارسمي، ومن إخراج فيليبو مينيجيتي.
في الصباح التالي تعود نينا، تلعبها الممثلة الألمانية باربارا سكوفا، إلى شقتها المواجهة لشقة مادلين، بينما تستعد مادلين لاستقبال ابنتها وابنها وحفيدها في اجتماع عائلي بسيط. نفهم بالتدريج أن علاقة الحُب هذه ليست مُعلنة، وأن مادلين خصوصاً، التي يسحب الحفيد ستار الشباك فيغرق نصف وجهها في الظلام، تحمل عبء السر، وتحاول تقديم الحنان مضاعفاً لأسرتها تعويضاً عن هذه العلاقة. مادلين، وتلعبها الممثلة الفرنسية مارتين شوفاليه، تروي قصصا جميلة لابنتها آن، عن أبيها الراحل، قصص من الصعب تصديقها، فلو أن الابنة نشأت حقاً في ظل علاقة زوجية سعيدة بين أبويها، فما الذي يفسر إذاً هذه التعاسة التي تسكن وجهها، فشلها العائلي، وقلقها الواضح؟

“لا أحد يهتم”

تتحدث نينا اللغة الفرنسية بلكنتها الألمانية الخشنة، وبطريقة ودودة جدا طالما أنها تتوجه بالحديث إلى مادلين. لا نعرف نحن شباب هذا العصر المُحاصر بالتكنولوجيا والمحكوم بالعلاقات القصيرة، كيف رعت السيدتان نبتة هذا الحب طوال الأعوام. جاءت نينا من برلين، وقررت أن تقيم بعيدا عن العاصمة الفرنسية، في مدينة تفتقد الكثير من مظاهر الحياة، فقط كي تبقى قرب مادلين. يقلب الفيلم فكرة العداء التاريخي بين البلدين فرنسا وألمانيا أو على أقل تقدير يتعامل كأنها لم تكن، في منطقة نائية من العالم سيُعلمنا “اثنان” ماذا يعني القتال في سبيل مَنْ نُحب.
تنهض العقدة الرئيسية في الفيلم على رغبة نينا في التخلص من سرية هذه العلاقة، ومن أعباء الكذب على أسرة شريكتها. تود من مادلين أن تعترف لولديها، أن تبيعا هذه الشقة، وأن تقضيا بالمال الذي تمكنتا من تدبيره أيامهما معا في روما، حيث التقيتا أول مرة. وهذا الطلب الذي تعبر عنه نينا ببساطة وتصميم، وتكاد تدفع مادلين إليه دفعاً، ليس سوى طريق آلام تخشى مادلين من السير فيه، فأن تُعلن علاقتها بنينا لا يعني فقط الاعتراف بهوية جنسية وعاطفية قد تصدم ابنيها، لكن كذلك تبديد وهم حياتها الزوجية السعيدة مع أبيهما.
تراوغ مادلين كالعادة وتدّعي أنها أخبرت ولديها. لكن نينا تكتشف بالصدفة من لقائها بسمسار بيع المنزل في الشارع، أن حبيبتها تكذب عليها، وأنها ما زالت غير قادرة على مواجهة أسرتها، ما يجعلها تنفجر أمام السمسار الشاب، تسأله بطريقة كوميدية إذا ما كان يتضايق من وجود المثليات في الحياة، ثم تُنهي المشهد بالصراخ في وجه مادلين وهي تبتعد عنها: “انظري لا أحد يهتم، لا أحد يهتم، أنتِ مثيرة للشفقة”.

“أريد أن أعتني بها”

بالحوار القليل، امتداد الصمت، وتراوح الإضاءة بين الظل والنور، يغزل مخرج الفيل فلسفة بصرية خاصة لفيلمه “اثنان”، فنحن في النهاية أمام قصة حب لسيدتين كبيرتين في السن، تَكلمّتا بما يكفي في شبابهما، وبقي الآن الصمت لغتهما المشتركة والعميقة، يدربنا الشريط كلما تقدّمت الأحداث على قراءته وفقاً لأبجديته هو، بوتيرة هادئة ظاهريا لكنها تغلي من الداخل. فنحن نعرف أن شيئاً سيئاً وقع لمادلين، بعد المشادة العنيفة في الشارع، من ثبات الكاميرا على الطاسة وهي على الموقد، ومن الحريق الذي بدأ يأكل الخضروات، والضباب المتصاعد، وأخيراً من نداء نينا، التي يبدو أنها على الرغم من كل الغضب، لم تغادر حبيبتها.
لا نرى مادلين وهي تسقط على الأرض، لكننا نرى الخضّة وقد لوّنت وجه نينا، ميلها على “مادو” وصراخها طلباً للمساعدة. للأسف تتطور الأمور، تتدخل ابنة مادلين وابنها من الآن فصاعداً أكثر في حياة والدتهما، وتجد نينا نفسها مُرغمة على التراجع خطوتين إلى العتمة. يتضح أن مادلين مُصابة بجلطة.. لا تستطيع نينا قضاء ليلتها الأولى بعيداً عن مادلين، تفضل التسلل إلى سريرهما المشترك في شقة الغائبة. إنها الآن تفقد مَنْ تركت كل حياتها لتحيا معها. هناك تُقاطَع بوصول غير متوقع للابنين لحمل بعض حاجات للأم، كفرشاة أسنانها والثياب التي ترتاح فيها، صحيح أن نينا تنجح في الاختباء عن أعينهما إلا أنها تعجز عن تقديم المساعدة، هي التي تعرف أدق تفاصيل “مادو” ومتعلقاتها الشخصية، فأن يظهر صوتها الآن يعني أن يُفتضح أمرها.
يتحرك الفيلم في اتجاه غير متوقع كُليا. ما ستلح نينا في طلبه، ولن تتراجع عن الحصول عليه، هو حقها في الاعتناء بمادلين، في تمريضها، نعم ستعود مادلين بصحبة ممرضة جديدة هي مورييل، ستكون مشلولة مؤقتا وفاقدة للنطق، لكن هل ما زالت تتذكر قصتهما؟

“جئتُ لكم بالكرواسون”

لا ينجرف “اثنان” إلى أي نوع من الرثاء أو الميلودراما. على العكس يخلق التناقض بين غرابة أطوار الممرضة مورييل، التي تتشكك كثيرا في نينا ولا تعرف لماذا تود أن تبقى قريبة من البيت، وبين عناد نينا نفسها وتحايلها بححج غريبة للدخول إلى شقة مادلين، من بينها أنها تحمل لهم “الكرواسون” في الصباح، يخلق كل ذلك جوا مَرِحا. يتنقل المُشاهد بين الحسرة على تعب مادلين إلى التواطؤ الضمني مع نينا في محاولاتها التي لا تعرف اليأس، وربما تمنحنا همّة نينا غير المتوقعة أملاً أكبر أن تنهض “مادو” وتستعيد حياتها، أو بالأدق حياتهما. لا يبدو أن هناك حدا يتوقف عنده جنون هذه السيدة الألمانية، من تشويه صورة مورييل أمام الابنة وإقناعها أنها تُفرّط في رعايتها للأم المريضة، والمغامرة باقتحامها شقة “مادو” ليلا، كي تعتذر لها في السر وتسألها أن تعود من هذه الغيبوبة، وحتى ارتكاب جريمة تحطيم سيارة آن وإلقاء التُهمة على مورييل.
هذه هي الخطيئة التي ترتكبها نينا. فمورييل ليست شخصية بسيطة كما تبدو، وإذا كانت نينا لا تعرف غير الحب، فإن مورييل ستتحرك من الرغبة في الانتقام والتدمير بعد أن فقدت وظيفتها.

المسرح

تدور معظم هذه الأحداث في مساحة صغيرة نسبياً بين شقة مادلين وشقة نينا، وفي المربع الفاصل بينهما. يمكننا أن نتخيل “اثنان” في شكل مسرحية لأن الأماكن ثابتة وأليفة، دون أن يُقلل هذا من سينمائيته. أحيانا نحس أننا نحب المكان، وأحيانا نشعر بالرهبة منه. في الجزء الثاني من الفيلم تعيش مادلين ما يشبه الصحوة التدريجية بعد أن صارت نينا تعتني بها، وقبل أن تفيق كلياً تواجه تساؤلات ابنتها بشأن زمن علاقتها بهذه الجارة الغريبة، بعد أن رأت في ألبوم صور العائلة لقطة قديمة تظهر فيها نينا بالقرب من الأسرة في رحلتها إلى روما.
تضطر مادلين أخيرا إلى ترك الحقيقة تولد على الملأ. هذه هي لحظة اختيارها الأولى، بعد مشهد الألبوم تلجأ “مادو” إلى شقة نينا وتقرع الباب بكفيها الواهنتين، بالطبع يثير هذا فزع الابنة آن وغيرتها. وبعد أن أخذنا الأمل لاحتمال عودة الأحباب، لا تحتمل آن الصدمة وتقرر نقل الأم إلى مصح بعيد ومعزول في غفلة من نينا. “لقد كنت أعتقد طوال الوقت أن علاقتنا مميزة، أننا نتبادل الأسرار”. هكذا تقول لشقيقها وهي تروي له ما عرفت. أن تكون هناك امرأة أخرى في حياة الأم غير ابنتها، ليس أمراً يسهل قبوله بعد كل هذه الأعوام، وخصوصا عندما يحدث بمحض المصادفة وعندما تكون الأم عاجزة، وعندما يعني هذا تبدد أسطورة بيت الأبوين السعيد في الطفولة.
الآن تظهر أهمية التكنولوجيا، ويدخل “الآيفون” لأول مرة إلى الصورة. تلجأ نينا إلى دليل الهواتف، تدور بين أرقام المصحات في المدينة، تقتحم مورييل المشهد مع ابنها منفذة تهديداتها بحق نينا، في غيابها يسرقان ما جمعته من مال طوال عمرها، يبعثران أغراضها، ويغادران بعد أن يعني ما رأيناه أن الحرب قد اندلعت من كل جانب على قصة الحب الاستثنائية هذه.

سأتبعه.. سأتبعه.. أينما ذهب سأتبعه

تلك هي الحرب الوحيدة التي يأتي “اثنان” على سيرتها، والتي يُشدد على أهميتها، ويقول ربما إن العالم لن ينصلح دونها. الحرب التي نضطر إلى خوضها ليس للحصول على ما نريد لكن للإبقاء عليه، ولاختياره مرة ثانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.