الجهات التسع

الالتزام في الفن التشكيلي.. بدايات ومآلات

هذه المشكلة شائكة في محترفات الشرق الأوسط العربي وغائبة في نظائرها الأوروبية والأميركية. لذلك يتجنّب غالبية النقاد الفنيين الخوض في زيف هذه العلاقة، ما خلا عند استحضار الإجابات الجاهزة التوفيقيّة بين ما يفكر به وما يموج في الوجدان الأخلاقي للمبدع والتخييل التشكيلي النوعي في اللوحة، أي المصالحة بين الكينونة الحدسية فيها والالتزام السياسي أو القومي أو الاجتماعي أو الروحي وسواهم. أي المسبق القرار والتصور كما هو في السلوك الجمعي العام، متجاهلين الطلاق بينهما منذ ستينيات القرن العشرين في أوروبا، وأن موضوع الالتزام أصبح منسقاً منذ بداية القرن مع ولادة التيارات العبثية مثل الدادائية في باريس ثم الدادائية المحدثة في نيويورك وغيرهما. يتعلق الملتزمون العرب بفترة سابقة تقع في التعبيرية الألمانية ما بين ماكس بكمان وجورج غروز مروراً بكاتي غولفتز وصولاً حتى سبعينيات جورج بازلتز التي نقلها إليهم مروان قصاب باشي.

تاريخ ما أهمله التاريخ

ابتدأ استقبال الفنان العربي تحديداً لوصفه اللوحة الغربية (لوحة الحامل أو المسند) منذ وصول حملة نابليون بونابرت إلى مصر، واعتماره العمامة بعد تحطيم أنف أبي الهول بالمدفعية، لكن عالمه شامبليون توصل إلى فك ألغاز الأبجدية الهيروغليفية لأول مرة، وما عهد الألباني المتنوّر محمد علي إلا بمثابة استمرار للروح النهضوية التي خلفتها حملة بونابرت، بدليل استخدامه للمطابع التي خلفتها الحملة من أجل ترجمة المؤلفات الفرنسية إلى العربية. ترسّخت منذ تلك الفترة عقيدة النهضوية التنويرية أي الانفتاح على السبق الغربي دون أدنى خوف على الخصائص الثقافية الراسخة وبدون حدود.

هذه المشكلة شائكة في محترفات الشرق الأوسط العربي وغائبة في نظائرها الأوروبية والأميركية. لذلك يتجنّب غالبية النقاد الفنيين الخوض في زيف هذه العلاقة، ما خلا عند استحضار الإجابات الجاهزة التوفيقيّة بين ما يفكر به وما يموج في الوجدان الأخلاقي للمبدع والتخييل التشكيلي النوعي في اللوحة، أي المصالحة بين الكينونة الحدسية فيها والالتزام السياسي أو القومي أو الاجتماعي أو الروحي وسواهم. أي المسبق القرار والتصور كما هو في السلوك الجمعي العام، متجاهلين الطلاق بينهما منذ ستينيات القرن العشرين في أوروبا، وأن موضوع الالتزام أصبح منسقاً منذ بداية القرن مع ولادة التيارات العبثية مثل الدادائية في باريس ثم الدادائية المحدثة في نيويورك وغيرهما. يتعلق الملتزمون العرب بفترة سابقة تقع في التعبيرية الألمانية ما بين ماكس بكمان وجورج غروز مروراً بكاتي غولفتز وصولاً حتى سبعينيات جورج بازلتز التي نقلها إليهم مروان قصاب باشي.

تاريخ ما أهمله التاريخ

ابتدأ استقبال الفنان العربي تحديداً لوصفه اللوحة الغربية (لوحة الحامل أو المسند) منذ وصول حملة نابليون بونابرت إلى مصر، واعتماره العمامة بعد تحطيم أنف أبي الهول بالمدفعية، لكن عالمه شامبليون توصل إلى فك ألغاز الأبجدية الهيروغليفية لأول مرة، وما عهد الألباني المتنوّر محمد علي إلا بمثابة استمرار للروح النهضوية التي خلفتها حملة بونابرت، بدليل استخدامه للمطابع التي خلفتها الحملة من أجل ترجمة المؤلفات الفرنسية إلى العربية. ترسّخت منذ تلك الفترة عقيدة النهضوية التنويرية أي الانفتاح على السبق الغربي دون أدنى خوف على الخصائص الثقافية الراسخة وبدون حدود.

وهكذا وصلت اللوحة الغربية مع تبادل البعثات والخبراء، فقد ظهر منذ العشرينيات في القاهرة أمثال الرواد راغب عياد المصور الملتزم بالمشاهد المحلية والنسق الهيروغليفي في قراءة التكوينات، ثم النحات مختار واستقلاله عن الأوابد الاحتفائية الفرنسية حيث درس ابتداءً من أردية نصب «رياح الخماسين». ولعله من الجدير بالذكر أن نصب «نهضة مصر» الشهير تبرع لتمويله الفلاحون وليس الدولة، واستمرت هذه الروح تستمد من الحكم الديمقراطي الغربي خلال العصر الخديوي وافتتاح قناة السويس، ثم تشجيع الفنون في عصر الملك فؤاد (مؤتمر الموسيقى العربية الأخير 1932م ودعوة الموسيقار الهنغاري بيلا بارتوك ليترأس قسم الاستماع، وبداية الجدل بينه وبين السنباطي وزكريا أحمد وأم كلثوم. ثم وصول بارتوك في موسيقاه العالمية بعد فترة للتوليف بين الموسيقى اللحنية الأفقية أي موسيقى المقام الشرقي وديوان باخ أي «الكونتروبوان» أو نظام «الهارموني» الغربي وكتابة النوطة التزامنية المتعددة. أي «البوليفوني»)، ثم تتألق موسيقى السنباطي في القصيد والأدوار (درويش وصالح عبد الحي) وإنشاد أم كلثوم ثم مسرح الريحاني والمسرح الذهني لتوفيق الحكيم… الخ، قبل أن يتوصل المصري أبو بكر خيرت إلى تأليف السيمفونية المصرية.

مع وصول الضابط عبد الناصر إلى السلطة يتحول الالتزام النهضوي إلى التزام قومي، مع حامد ندى ثم سعيد العدوي، وميتافيزيقية عبد الهادي الجزار والماركسية المعتدلة لحامد عويس واكتشاف الحروفية وذلك قبل تأسيس شاكر حسن لجماعته البعد الواد الحروفي في بغداد: هي اليسارية المعتدلة التي وجدنا أمثلة موهوبة منها على غرار علي طالب وضياء العزاوي (العراق)، كركوتلي وممتاز البحرة (سورية)، ثم الالتزام بالذاكرة الميثولوجية المحلية ما بين فاتح المدرس (سورية) وصليبا الدويهي (لبنان). أما جواد سليم، مؤسس التعبيرية في العراق، فقد اكتشف أصالة تراث المنمنمات العباسية كما اكتشف رفيق شرف أصالة التصوير الشعبي على الزجاج من الخلف خاصة لدى المعلم الدمشقي أبو صبحي التيناوي.

من الشائع ارتباط صفة الالتزام باللوحة العربية باليسار السياسي وأيديولوجية العدالة الاجتماعية أو التحرر من الأنظمة الاستبدادية. تحضرني بداية رواية عن عبد الناصر وإكراهه لأم كلثوم على قبول تلحين عبد الوهاب أغنية لها وعدم إعطاء رياض السنباطي حق قدره، يوعز ذات مرة لرجاله بإحضاره قسراً لقيادة الفرقة في المنشية. قبل السنباطي الأمر على مضض ولكنه أغلق الستارة. فاعتذر الرئيس منه أمام الحضور وهنأه على مستوى قيادته. ولكنه رغم ذلك دافع عن أم كلثوم بعد خروج الملك فاروق وحفظ مركزها في الإذاعة الجديدة.

الالتزام واللوحة الغربية

يبتدئ هذا الالتزام من بابلو بيكاسو وينتهي مع وفاته عام 1973م في مدينة السيراميك المتوسطية فالوريز التي تحمل بصماته. وجدت في جيبه بعد موته صورة شخصية لستالين. لم تثر هذه اللقية حفيظة من رثوه، لأنه كان قد أنجز أثناء حياته رسما بأقلام الفحم لستالين بشاربيه الكثين ونظرته «الميغالومانية».

كان صحبه يتجنبون إشاعة انتسابه إلى الحزب الشيوعي، لأن العلاقة معه كانت غير ملتزمة رغم ارتباطه به رمزياً من خلال الحمامة التي صمّمها رمزاً للحزب. هو نفسه كان ليبرالياً لا يؤمن بوحدة اللباس لكنه كان مرغماً على التحالف مع اليسار عموماً في بلده إسبانيا بسبب معارضته المشتركة معهم لفرانكو. ورغم أنه يعتبر من أشد الفنانين الملتزمين تأثيراً على المحترفات العربية التي تؤمن بالالتزام اليساري خاصة في سورية والعراق، فإن لوحاته الملتزمة نادرة، أبرزها وأشدها شيوعاً «الغيرنيكا» المعترضة ضمن تكوين عملاق على قصف هذه المدينة الآمنة بالطائرات. لم ينج فنان ملتزم من تأثيرها واستعارة عناصرها، حصان بيكاسو الغاضب، أجساده المتفتتة، وصرخات النساء والأطفال الملتاعة، وحمامته المأزومة. استعارها فنانو الستينيات الرواد واستمروا في هذا الاستمداد والاستلهام بطريقة استحواذية حتى اليوم.

إن السؤال المطروح في هذا المقام: لماذا توقفت اللوحة الأوروبية عن فكرة الالتزام السياسي؟ ربما لأن مفهوم الالتزام اختلف لديهم وظل اجترارياً آلياً مكروراً لدينا. فإذا كان لدينا العديد من الرواد والموهوبين تبنوا إبان هزيمة 1967 هذا التيار (من ضياء العزاوي وعلي طالب إلى خزيمة علواني ومحمد القاسمي وعادل السيوي وسليمان منصور ونذير نبعة وصولاً حتى جيل يوسف عبدلكي) فإن العديد من المرتبكين فنياً اتكأوا على سلطتهم الحزبية أو الشللية ليحركوا غرائز العصبية القبلية في الثورة المضادة، وهكذا اختلط الفن بالسياسة ولم تعد اللوحة شهادة رفض لواقع أو نظام أو مأساة شعوب، واختلط بالتالي الخطاب الديماغوجي باللغة النوعية للتشكيل، وتحولت اللوحة إلى شهادة حسن سلوك من الفصائل اليسارية، وليست شهادة حسن سلوك تشكيلي حر ونخبوي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.