الجهات التسع

السينما في زمن الكورونا.. مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية

أصيب أربعة عمال في أحد أسواق مدينة ووهان بالصين بالتهاب رئوي حاد، في شهر ديسمبر/ كانون الأول 2019، التاريخ الأول لظهور فيروس “COVID-19” المعروف بالكورونا، الذي زلزل العالم بأسره.
اللافت في هذا الفيروس هو تطوره بشكل متلاحق، ليس على مستوى أعداد ضحاياه فحسب، بل أيضا على مستوى انتشاره السريع من قطر إلى قطر، حتى بات، ولم ينته الربع الأول من 2020، متحكماً في كثير من المصائر على مستوى العالم، بلا استثناء يذكر تقريباً، وترتبت على ذلك خسائر بمليارات الدولارات، من إلغاء طيران، وبواخر، وخطط وفعاليات سياسية واجتماعية وثقافية؛ وبخاصة تلك التي تستوجب وجود تجمعات كبيرة، من ضمنها المهرجانات السينمائية التي تُعلن من وقت لآخر بالتوالي عن توقفها الكامل، أو الجزئي، المؤقت، أو المفتوح لأجل غير مسمى. وكان مهرجان تسالونيكي السينمائي في اليونان هو البادئ في ذلك، رغم أن موعده الرسمي ما يزال في نهاية العام، تبعته كثير من المهرجانات التي علقت فعالياتها بناء على قرارات منظمة الصحة العالمية، لمحاربة الطاعون الجديد، مثل مهرجان البحر الأحمر في السعودية في أولى دوراته، ومهرجانات البحرين، وتطوان في المغرب، والشرق الأقصي في إيطاليا، وتدور التكهنات الآن حول مصيري مهرجاني فينيسيا وكان.
وسط كل ذلك، كان هناك استعدادات تسير على قدم وساق للدورة الجديدة من مهرجان الأقصر الدولي للسينما الأفريقية في دورته التاسعة، في تحد لرعب الكورونا الذي اجتاح العالم. لا شك أن هذا التحدي من إدارة المهرجان كان بمثابة خطوة جريئة، ولكن الجرأة ليست وحدها قادرة على مواجهات من ذلك النوع.
ترأس الدورة التاسعة التي تحمل اسم وحش الشاشة، الفنان الراحل فريد شوقي، السيناريست سيد فؤاد، وتديره الممثلة عزة الحسيني، بمشاركة 24 دولة أفريقية في الفترة من 6 إلى 12 مارس/ آذار الجاري، وعلى مدار ستة أيام إلا قليلاً.
ولعل ما دفع القائمين على المهرجان لهذا التحدي غير محسوب العواقب توفر الظروف المادية أخيراً، لا سيما مع ضعف ميزانية هذا العام، والتي حاولت الإدارة لعدة شهور تدبيرها من هنا ومن هناك.

الافتتاح والدهبيات

من أهم فوائد المهرجانات العالمية النشاط التجاري المصاحب لها، فما بالك حين تقام في صرح سياحي كالأقصر وأسوان، أو شرم الشيخ “المسرحي والسينمائي”. لذلك تشارك هيئة تنشيط السياحة وعديد من شركات السياحة في رعاية هذه المهرجانات، وكثيراً ما يتضمن برنامج المهرجان جولة، أو أكثر، بغرض سياحي بحت، وذلك ما قامت به إدارة مهرجان الأقصر في مستهل حفل الافتتاح، من خلال رحلة على سطح إحدى دهبيات النيل، على مدار ساعة، ضمت الضيوف العرب والأجانب والصحافيين والنقاد، قبل التوجه في نهاية الرحلة إلى معبد الأقصر، الذي استضافت جدرانه العتيقة حفل الافتتاح باللغتين؛ العربية والفرنسية، وفي حضور نجوم أفريقيا، وأسرة الفنان فريد شوقي، حامل اسم الدورة، لمرور 100 عام على ميلاده “مئوية ملك الترسو”. تسلمت ابنته الفنانة رانيا فريد شوقي درع تكريم المهرجان مرتدية عباءة مطبوع عليها صورة والدها، تلاه مجموعة رقصات من فرقة رضا للفنون الشعبية على أنغام الأغنية الشهيرة “الأقصر بلدنا.. لمحمد العزبي”، في إطار الاحتفال بمرور 60 عاماً على تأسيسها على يد الفنان محمود رضا، بمشاركة فريدة فهمي، في نهاية خمسينيات القرن الماضي، لتكون أولى الفرق العربية في الفنون الشعبية.

“صندوق الدنيا”.. فيلم الافتتاح

شهدت فترة التسعينيات ظهور ما يمكن أن نسميه بسينما المثقف، لأسماء مثل رضوان الكاشف، أسامة فوزي، وبعض الأفلام لخيري بشارة، وداود عبدالسيد، ورأفت الميهي. قدمت هذه الموجة موضوعات ليست بعيدة عن المشاهد العادي كلياً؛ لكنها خاطبت فئة المثقفين على نحو خاص، من حيث طرح موضوعات فلسفية؛ “البحث عن سيد مرزوق” لداود عبد السيد، على سبيل المثال. واتخذت معظم هذه التجارب من وسط البلد مسرحا لتصاعد المشاهد الدرامي، وبالطبع ثيمات شخصيات وسط البلد من مثقفين وفنانين أو عاملين دائمين، كنُدل الكافتريات، أو ماسحي الأحذية، أو آكل النار “بهلوان الشارع”. اشتركت هذه الأفلام أيضًا في سمة السيناريست المؤلف؛ حيث من كتب السيناريو مؤلف في الأساس “روائي”، أو أن يكون السيناريو مأخوذاً عن أصل روائي، أو مزيج بينهما، مثل فيلم “جنة الشياطين”، لأسامة فوزي، سيناريو مصطفي ذكري، المأخوذ عن رواية جورج أمادو “الرجل الذي مات مرتين”.
من تلك الأجواء، خرج سيناريو فيلم “صندوق الدنيا” لأسامة حبشي، الروائي والقاص، في أولى تجاربه في كتابة السيناريو، ومن إخراج عماد البهات، الذي ينطلق أيضاً من خلفية أدبية، حيث أخوه الكاتب رضا البهات، لذلك نلمح طغيان الشخوص الفنية في الفيلم، حيث البطولة جماعية لعدة شخصيات يمرون بأحداث تتقاطع معاً على مدار يوم في منطقة وسط البلد. وللمصادفة، فاز الفيلم في نهاية المهرجان بجائزة رضوان الكاشف.
شاعر تخونه زوجته “خالد الصاوي”، ريجيسير “عمرو القاضي – المُنتج”، كومبارس “أحمد كمال”، وبالطبع شخصية “بهلوان الشارع” الذي ينهي به الفيلم عرضه الختامي. ويحاول الفيلم التوسع في تنويعة الشخصيات، فتأتي شخصية الممرضة “فاطمة – رانيا يوسف”، وشخصية الأب الريفي “باسم سمرة” الذي يقتل في المدينة، ويترك ابنه الصغير وحيداً في مواجهة القاهرة، أو صندوق الدنيا.
بالطبع، هناك تقدير لأي مبادرة مستقلة إنتاجياً من أجل سينما مختلفة، ومن أجل تحريك المياه العفنة للسينما التجارية “الجمهور عايز كدا”، ولا أنكر أني تلمست من صناع الفيلم “المنتج، المخرج، المؤلف” نية صادقة في صناعة سينما مغايرة، لكنها ليست بالنوايا فقط تكون المغايرة، لأن المغايرة المقصودة يتطلب الجديد أيضاً، وهذا أبسط الحقوق الجمالية من العمل الفني. الشيء الذي لم يتحقق للأسف؛ فالشخصيات تم تقديمها من قبل في كثير من الأفلام، بالإضافة إلى عدم اختلاف أداء أبطال العمل عن أدائهم في أدوار أخرى، اللهم اختلاف طفيف في أداء رانيا يوسف.

كل شيء هادئ في البر الغربي

يسير النيل في منتصف مدينة الأقصر، ولذلك تنقسم إلى قسمين: “البر الشرقي، والبر الغربي”، في اليوم التالي استيقظت على هدوء غريب؛ كان الصخب عالياً في الأمس، لا صوت تقريباً سوى للنيل، وهفهفة المراكب والهواء. فتحت هاتفي وصفحتي كالعادة، فعرفت سر هذا الصمت، اكتشاف 12 حالة على باخرة سياحية بين الأقصر وأسوان يُشتبه في إصابتهم بفيروس كورونا. أُوقفت هذه الباخرة، وتم تحريزها للتعقيم أمام شرفتي مباشرة على الجانب الآخر من النهر.
خيمت خيبة الأمل لساعات على الجميع؛ خاصة والأخبار تتصاعد عن تطورات متتالية عن الباخرة المنكوبة، إشعارات “الواتس” في جروب الإعلاميين والصحافيين في المهرجان لا تتوقف؛ الكل أصيب بربكة من جراء المفاجأة على أرض الواقع، حتى خرج المركز الصحفي بتصريح عاجل تداولته المواقع والصحف: في بيان صحفي رسمي لمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية، أكدت إدارته على إيقاف جميع الفعاليات الجماهيرية للدورة التاسعة، بناء على قرار السيد رئيس الوزراء. وقال السيناريست سيد فؤاد: بدأ مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية فعالياته في السادس من مارس، واستمر ثلاثة أيام، تم فيهم عرض 70% من الأفلام المشاركة في المسابقات، والأفلام خارج المسابقات، وتم عمل مؤتمر صحفي للنجم جيمي جون لوي داخل معبد الأقصر.
وبناءً على قرار السيد رئيس الوزراء، اتخذت إدارة المهرجان قراراً بإيقاف جميع الفعاليات الجماهيرية في قاعات العروض، مع استمرار لجان التحكيم في عملها، ومشاهدة الباقي من الأفلام، وهي تمثل حوالي 30%، في قاعات داخل الفنادق مجهزة في إطار مهني سليم، على أن تشاهد لجنة التحكيم العروض للمسابقات الأربعة، ثم يتم إعلان النتائج من خلال مؤتمر صحفي لإنهاء الدورة التاسعة لمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية.
بدأ البعض في العودة إلى القاهرة على نحو فردي، وتزايد العدد في اليوم التالي، واليوم الذي تلاه، لتستمر فعاليات المهرجان بشكل جزئي، وعرض لبعض الأفلام، أو اللقاءات الصحفية، في أماكن مفتوحة، وانحصر الجمهور على الصحفيين، ومن تبقى في المهرجان، والضيوف الأجانب، وكان للممثل الفرنسي الهايتي الأصل، جيمي جان لويس، المعروف بدور الهايتي في مسلسل “هيروز”؛ موقفاً داعماً للمهرجان، حيث واظب على تكملة البرنامج، رغم المستجدات، معلناً “أنا في الأقصر مع الملوك العظماء… لا داعي للذعر بخصوص كورونا، كل شيء جميل وجيد”.

ورغم انتهاء المهرجان بيوم عاصف وسيول نادرة؛ أكمل لويس رحلته في مصر، حين عاد إلى القاهرة لنشر جلسات تصوير له في أهرامات الجيزة.

البحث عن الكاتبة الأفريقية

بالإضافة إلى النشرة اليومية، صدر منها عددان، والدليل، أصدر المهرجان في دورته الجديدة كتابين، الأول بعنوان “السينما الأفريقية المعاصرة، وسينما الشتات”، من تأليف الكاتبة الأفريقية، آنجالي برابهو، وترجمة المصرية سهام بنت سنية وعبد السلام.
وعنه تقول الفنانة عزة الحسيني، مدير المهرجان، أنهم وجدوا الكتاب على أحد المواقع، ومن ثم التفتوا إلى أهميته السينمائية، وبالتالي قطعوا رحلة بحث عن الكاتبة، ودار النشر، على مدار أربعة شهور، حتى توصلوا إليها، وقامت المترجمة بترجمته خلال العام الماضي، وتم استضافة المؤلفة في الدورة الجديدة، وإقامة حفل لتوقيع الكتاب لم يحضره سوى الصحفيين بالطبع، ممن بقي في الاقصر حتى اليوم الأخير.
يسلط الكتاب الضوء على نماذج عديدة من السينما الأفريقية المعاصرة، من خلال قراءات منفصلة ومتصلة لمجموعة من الأفلام، والاتجاهات الحديثة، أو التيارات المختلفة. كما يتطرق إلى قضايا نموذجي الأنوثة والذكورة على شاشة السينما، بالإضافة إلى جزء خاص بالأفلام التسجيلية.
أبدت مؤلفة الكتاب، من خلال كلمتها في حفل التوقيع، إعجابها بما أسمته “طاقة المهرجان”، مقدرة مجهود إدارة المهرجان.
أما الكتاب الثاني فهو “وحش الشاشة.. ملحمة السينما المصرية” للناقدة السينمائية د.أمل الجمل. اتبعت الجمل في الكتاب رحلة صعود فريد شوقي التي استهلها بالعمل ككومبارس، مروراً بمحطات مهمة في حياته، وانتهاء بوحش الشاشة، أو كما يطلقون عليه ملك الترسو.

جوائز المهرجان وحيثيات لجان التحكيم

منحت لجنة النقاد الدولية فيلم “والد نافي”، للمخرج مامادو ديا من السنغال، جائزة أحسن فيلم، أما لجنة تحكيم مسابقة الأفلام القصيرة فقامت بمنح الجوائز التالية:
تنويه خاص لفيلم “حبيب”، إخراج شادي علي من مصر، وذلك لتميزه في الأداء التمثيلي، وجائزة أحسن إسهام فني في فيلم روائي قصير، وهي (شهادة تقدير، وقناع توت عنخ آمون البرونزي) لفيلم “طيف الزمكان”، إخراج كريم تاجوات من المغرب، وذلك لشجاعته في السرد، وخصوصية التعبير البصري، واستخدامه الخلاق لشريط الصوت.
فاز أيضاً بجائزة لجنة التحكيم الخاصة الفيلم الروائي القصير “راستا ” للمخرج سمير بن شيخ، إنتاج مشترك لساحل العاج والجزائر، وذلك لتميزه بالحبكة الدرامية، وقدرته على تقديم نظرة إنسانية لوضع سياسي معقد يجبر فيه الأطفال على حمل السلاح، وهي عبارة عن (قناع توت عنخ آمون الفضي). أما جائزة النيل الكبرى لأحسن فيلم روائي قصير (قناع توت عنخ آمون الذهبي) منحت لفيلم “بابلينجا” للمخرج فابيان داوو من بوركينا فاسو.
وفي المسابقة الدولية لأفلام الدياسبورا، فاز فيلم “سيدة النيل” للمخرج عتيق رحيمي (رواندا – فرنسا) بجائزة أحسن إسهام فني في فيلم (شهادة تقدير وقناع توت عنخ آمون البرونزي)، وذهبت جائزة لجنة التحكيم الخاصة (قناع توت عنخ آمون الفضي) إلى فيلم “بابيشا” للمخرجة مونيا مدور (الجزائر – فرنسا). وفاز فيلم “قطار الملح والسكر” إنتاج مشترك لثلاثة دول (موزمبيق، وجنوب أفريقيا، والبرتغال) بجائزة النيل الكبرى لأحسن فيلم (قناع توت عنخ آمون الذهبي)، وذلك لتصويره المؤثر والمثير للمشاعر، والمزج بين الحياة والموت، في عرض مؤثر للإرادة البشرية التي لا تنكسر في موزمبيق التي مزقتها الحرب.
في مسابقة الأفلام التسجيلية الطويلة: نال جائزة أحسن إسهام فني في فيلم تسجيلي طويل (شهادة تقدير، وقناع توت عنخ آمون البرونزي) فيلم “أمي، إني أختنق، هذا هو آخر فيلم لي عنك” للمخرج جيريمايا، كما فاز أيضاً بجائزة لجنة التحكيم الخاصة للفيلم التسجيلي الطويل (قناع توت عنخ آمون الفضي). وذهبت جائزة النيل الكبري لأحسن فيلم تسجيلي طويل (قناع توت عنخ آمون الذهبي) إلى فيلم “الوقت في صالحنا” للمخرجة كاتي لينا نداي من السنغال.
أما عن جوائز لجنة تحكيم الأفلام الروائية الطويلة، فقد حصل فيلم “الخط الأبيض” للمخرجة ديزيريه كاهيكوبو من ناميبيا على تنويه خاص، وذلك لحساسيتها في التعامل مع موضوع الفصل العنصري بطريقة صادقة وبسيطة توثق لهذه الفترة في تلك المنطقة، مع أداء مقنع للممثلين.
وذهبت جائزة أفضل إسهام فني إلى فيلم “ديزرانس” للمخرجة أبولين تراوريه (بوركينا فاسو – ساحل العاج)، وذلك بسبب تصويرها المأساوي للسعي وراء الجذور في خضم الأحداث السياسية والحرب التي مزقت المجتمع الإيفواري. وذهبت جائزة لجنة التحكيم إلى “فترية” للمخرج وليد طايع من تونس، وذلك لأسلوبه الجديد، ودرجة سخريته، وبراعة أداء الممثلين في وصف الحياة اليومية، وتناقضات هامش المجتمع التونسي المعاصر. ونال “أطلانطيك” للمخرجة ماتي ديوب من السنغال جائزة أفضل فيلم، وذلك للقوة، والصرامة، والتفرد، في علاج موضوع مهم وموضوعي للقارة الأفريقية.
أما جائزة مؤسسة شباب الفنانين المستقلين “رضوان الكاشف” فذهبت لفيلم “صندوق الدنيا” للمخرج عماد البهات من مصر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.