الجهات التسع

“النوم مع العدو”.. احتمال آخر للحياة

هم حالة من الاستثناءات الحزينة والمنتفضة على هذه الأرض، يعيشون تحت خط الحلم القابل للكسر دوماً في بيروت، تسعة فنانين مهمتهم وضع احتمالات الخروج من أجزائنا المرتعشة إلى فضاءات أقل ألماً مستخدمين الذاكرة والشارع وطاولات الفرح وأقلام الرصاص والألوان، يجرّبون الانتماء إلى مكان واحد حيث تفصل بينهم خلفيات ثقافية وأيديولوجية مختلفة تركوها كلها أمام باب المرسم ليبدأوا معاً رحلة من الانتماء المشترك لمخاوف بيروت وأزقتها وهواجسها و”ليقدّموا مثالاً في زمن الأزمة لمجتمع مقسوم ولا يعرف كيف يجمع نفسه”. إنهم لا يرسمون فقط، إنهم يضعون الوجوه والأشكال والألوان في فمنا لنجتاز موتنا الجماعي في بيروت التي اختنقت دفعة واحدة.
“النوم مع العدو Sleeping with the enemy”- مشغل رسم مباشر لتسعة فنانين تشكيليين من لبنان وسورية انطلق في الحادي عشر من الشهر الجاري ويستمر لمدة ثلاثة أسابيع متتالية، وبعدها سيكون معرض اللوحات التي تم الاشتغال عليها خلال هذه الفترة لمدة أسبوع في نفس المكان من الثالث من آذار/مارس المقبل حتى العاشر منه، هو استديو استأجروه لأربعة أسابيع وأثّثوه فنياً بأنفسهم دون دعم من أحد في منطقة مار مخايل في بيروت، وهو متاح للجمهور طوال فترة الرسم في عملية تبديد الحدود بين الرسام والمتفرّج، وفي هذا المكان وجدت نفسي وسط كائنات صامتة سيعملون على كسر العزلة بينهم وبين الجحيم المقيم بين مفاصل بيروت، يريدون بناء بيروت من جديد على طريقة عدم دفن الجثث وتركها معلقة على الحبال الممتدة داخل المرسم.

والفنانون (أبجدياً) هم آني كوركجيان، آيه كازون، بترام شلش، غيلان الصفدي (سورية)، سمعان خوام (لبنان، سورية، أرمينيا)، شوقي يوسف، فادي الشمعة، لوما رباح ومنصور الهبر. يرافق الفنانيين المنسقان لين مدلّل وزلفا حلبي، وسيكون الرسم على ورق بثلاثة أحجام (A2, A3, A4) وبأسعار موحدة، وسيتم تقاسم ثمن بيع اللوحات بالتساوي بين الفنانين في نوع من التضامن الذي يريدون استنساخه على المجتمع. هي التجربة الثالثة للشمعة والصفدي وخوام لكن هذه المرة انضم إليهم فنانون آخرون لديهم نفس الوجع ونفس الحلم رافعين هذا العام شعار “ممنوع التهذيب”.

لم نعد نريد أن نضع حدوداً

“النوم مع العدو لأن لكل منا عالمه الخاص الذي سيدافع عنه لكننا نجتمع في نفس المكان على الأشياء المشتركة ونضع خلافاتنا الأيديولوجية جانباً، أما شعار اللاتهذيب فلأن الفن هو الذي يكسر التهذيب ومع الثورة لم نعد نريد أن نضع حدوداً وصرنا نريد أن نقول الأشياء التي لم نجرؤ على قولها سابقاً”، يقول فادي الشمعة.

ويرى سمعان خوام: “فكرة النوم مع العدو هي أننا نبني مكاناً نحمي فيه أنفسنا حيث لا دولة تحمينا، هذا المكان هو مثال للفنانين أننا مهما اختلفنا في توجهاتنا وأفكارنا يمكن أن نجتمع وندعم بعضنا على مستوى تبادل الأفكار وعلى المستويين الفني والاجتماعي. قد يعتبر البعض أن هذه الفكرة من شأنها أن تمس بالشخصانية حيث أن لكل فنان الأنا الخاصة به لكننا بالنهاية نقدّم مثالاً في زمن الأزمة لمجتمع مقسوم ولا يعرف كيف يجمع نفسه”. أما عن شعار “ممنوع التهذيب” فيضيف خوام: “تبادرت فكرة الشعار إلى ذهننا مع الثورة، لأن قواعد السلطة هي: ممنوع أن نكسّر، ممنوع أن نسبّ، عصا السلطة التي تهذّب الشعب، فكرة النظام قبل الثورة هي أداة من أدوات القمع الآخر، حقي اللاتهذيب مع هذه السلطة والممنوع معها يصير مسموحاً، المبدأ هو الرفض للمنطق السائد للسلطة القديمة، قبل 17 تشرين الأول/أكتوبر ليس كما بعده”. ويلتقي منصور الهبر معهما على نفس الرفض: “ممنوع التهذيب هو رسالة أننا نريد أن نقول الأشياء بفظاظة وأن التهذيب هو شعار السياسي الكاذب والمثقف الكاذب لذلك لا نريد أن نكون مهذبين”.
ترى آني كوركجيان أن هذه الظاهرة هي الظاهرة السليمة في دولة لا تهتم بفنانيها والذين هم ثروة أي بلد: “لم يردنا أي اتصال أو مساهمة من وزارة الثقافة، لقد أثبتت أنها لا تقدر على فعل أي شيء للثقافة”. ويعتبر سمعان خوام أن العنف المستتر والعنف الظاهر هما اللذان يحرّكان مخيلته ويده ومعركته للوصول إلى مجتمع راقٍ يعطي حقوقاً لجميع مواطنيه: “وزارة الثقافة تابعة لسلطة فاسدة، نقوم بهذه الأفكار دون دعم منهم لنريهم أن الأشياء هكذا يجب أن تكون في البلاد الطبيعية”، ويعلّق منصور الهبر: “غياب وزارة الثقافة مجد أكثر”.

حضور الوجع

الحماس الإبداعي في المكان يشير إلى حضور الوجع وإلى رغبة قوية في كسر ما لم يُكسر سابقاً. “كل واحد منا يعالج نفسه على طريقته، كل واحد يحمل أمراضه معه التي سبّبتها بيروت ويحاول أن يُخرجها هنا، أنا أقوم بعملية تدوير لكل ما علق في داخلي، القلق النفسي، الكبت، الجسد، الحرب، كلها تراكمت ولم تتعالج”، تقولها كوركجيان مبتسمة.

ويتألم خوام وهو يقول: “أستخدم العصفور في كل أعمالي، ذلك الكائن الذي يقطع البلاد من جغرافيا إلى جغرافيا دون أن يعلق على الحدود، أنا كائن عالق على الحدود كأرمني كسوري كلبناني، لديّ ثلاث هويات وليس لديّ وطن، وطني وصيرورتي وأنا وكل ما في داخلي موجود في اللوحة”. يضيف خوام: “بيروت كفكرة حاضنة موجودة لكن يهمني ناسها أكثر، لذلك أنا مع التكسير، مع جمالية الخراب، فكرة بيروت والداون تاون Down Town هذه الثقافة هي كذبة وواجهة، هي حوض السمك ونحن سمك الزينة”. ويحمل الصفدي نفس الحِمل: ” بيروت موجودة بكثرة في أعمالي، كل مدينة تسكنين فيها سوف تستقر فيك، والفنان هو ردة فعل على أي شي حوله، وجمالية الفن أنه ليس مانشيت، إنه حركة ثورية”.
لا يفكر الفنان السوري الجنسية سمعان خوام بنقل التجربة إلى دمشق: “السلطة التي تحكم الشام تحكم بيروت، بغداد تشبهني اليوم أكثر، أي عاصمة منتفضة تشبهني أكثر، الشام غير منتفضة”، بعكس غيلان الصفدي الذي يحمل مثله نفس الجنسية ونفس الوجع بمنعهما من دخول البلاد فهو يحلم بممارسة هذه التجربة في دمشق: “ربما نحتاج إلى وجود نوع من الانسجام بين الفنانين السوريين”.
ليس هناك أي تنافس بين الفنانين التسعة على بيع اللوحات. “حين يبيع أي واحد منا لوحة سيكون ثمنها مقسّماً على الجميع”، يقول الشمعة. ويضيف: “كل الأعمال المشغولة هنا هي ملك الجميع حتى لو بيعت بعد سنة أو أكثر، هذا هو الهدف، التنافس فقط كيف نعمّر نوعية وجودة، كسرنا الموضوع المادي ونريد لكل اللوحات أن تدخل البيوت التي لا تجرؤ مادياً على الدخول إلى الغاليري”. والأمر نفسه عند الهبر: “ما حصل بعد 17 تشرين الأول/أكتوبر غيّر طريقة عملنا، نحن لا نشتغل فرادى، نحن نشتغل كمجموعة وكأننا عصابة فنية، والأسعار تناسب محبّي الفن جميعاً”. وعن تأثير العمل المشترك أمام الجمهور على فنانين يحتاجون إلى العزلة ليبدعوا يشرح الشمعة: “عندما تجلسين بينك وبين نفسك قد تكذبين على نفسك، السؤال الذي في داخلك سيكون له دائماً جواب من شخص آخر، العمل سوية يفتح لنا أمكنة أخرى، ربما إذا تركت الفنان لوحده سيحتاج إلى سنين ليُخرج حقيقة ما من داخله، العمل المشترك يعجّل الأمور، ووجود الجمهور قد يقلق الفنان غير المتمكن، اللعبة هنا تشبه أنك على مسرح وأن العالم يرونك وينتقدونك، لكننا نعمل لأنفسنا وليس للتسويق، نريد كل شيء أن يكون حقيقياً”. ويعلّق خوام: “يمكن أن تكوني منعزلة في مدينة مهذبة لكن الفن هنا يحمل المجتمع كله، أريد لهذه المدينة أن تتحول إلى مكان حقيقي مهذب حتى أكوّن عزلتي ولا يعود فني يحمل قضايا”.

نقطة فارقة

أجمعت آراء الوسط الثقافي خلال التجربتين السابقتين على أن “النوم مع العدو” نقطة فارقة في الشارع البيروتي، لكن عن تعرّضها للنقد السلبي يقول الشمعة: “اعتبر البعض أننا نخفّض السوق الفنية، الأسعار أقل من المتعارف عليها فنياً، لكننا نشعر أن بيروت بحاجة لذلك”، فيما يرى الصفدي أن النقد الإيجابي يرافقه دائماً نقد سلبي: “أن يكون هناك إجماع على إيجابية الفكرة يعني أن هناك مشكلة”، ويرحّب خوام بالنقد السلبي: “أهلاً وسهلاً به، لولا النقد لما وصلت أوروبا إلى ما وصلت إليه، فلسفة النقد هي التي تبني ونحتاج للنقد لنبني على أساس صلب جديد لأننا مدينة مهترئة من رأسها لكعبها”.
عن الجدوى من هذه التجربة يقول الصفدي: “هي صدمة ثقافية، كسرنا الروتين، ليس الأغنياء فقط من يحق لهم زيارة المعارض”، ويؤكد الشمعة أن الأثر على الساحة الثقافية موجود: “تركنا أثراً، نحتاج إلى وقت لنعرف كم هي مهمة هذه الأفكار وإذا كانت ستغيّر في الصيغة الفنية”.

الإنتماء لذاكرة جماعية تحمل بيروت وأمراضها على أكتافها هي ثيمة الأعمال الأساسية، عمل متفرّد في زمن ضائع بين الصراعات الداخلية والخارجية، ربما هو محاولة لمطاردة تشوهات المدينة والتقاطها بملقط حاد وحيث تصير للوجوه وللأشكال أصوات موجوعة تكلّم المارّين من أمام المرسم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.