الجهات التسع

جحدر والأسد رواية للفتيان لطلال حسن

“1”

انطلق جحدر كالريح ، فوق فرسه البرق ، مستغيثاً بالأفاق ، وجند الحجاج ، يجدّون في أثره، على خيولهم القوية ، وسيوفهم تلوح ، تحت أشعة الشمس ، متلامعة في أيديهم .
كانت الشمس متلاهبة ، في كبد السماء، وشواظ أشعتها تكاد تعمي عينيه ، وراحت الأفاق تركض مبتعدة ، تهرب منه ، ومعها تهرب واحة ، تتخايل فيها الأشجار والغدران والظباء.
وكلما أقترب الجند بخيولهم من جحدر ، أسرعت فرسه في عدوها ، رغم ما تعانيه من تعب ، وجروح بليغة ، فهي مثل فارسها شجاعة ، عنيدة ، لا تستسلم لأحد ، مهما كانت الظروف .
وبدا لجحدر ، غير مرة ، أن فرسه البرق ، تكاد تتعثر ، وتتهاوى ، لم يلمها ، فهو يعرف تماما قوتها الفائقة وجلدها ، ولِمَ يلومها ، وهو نفسه ، رغم قوته وجلده وصلابته ، بدأ يشعر بالإرهاق يسري في مفاصله؟
وغامت الأفاق ، شيئا فشيئا ، أمام ناظريها ، وترجرجت الواحة بأشجارها وغدرانها وظبائها ، وراحت تتلاشى في الرمال ، وفجأة ، وهذا ما لم يحدث من قبل مرة ، ولن يحدث مرة أخرى، كبت ، وبدأت تتهاوى ، وحاولت جهدها أن تتماسك ، ربما ليس حبا بنفسها ، وإنما خوفاً من وقوع فارسها ، تحت سيوف أعدائه، لكن جهودها ذهبت أدراج الرياح ، فقد تهاوت ، وتهاوى معها فارسها ، فوق الرمال الحارقة .
ومن بعيد ، سمع جحدر، وهو ينسحق فوق الرمال ، صبية تصيح بصوت فاجع : جحدر .
وخيل إليه ، أن الصحراء كلها ، تردد صدى صوتها : جحدر ..جحدر..جحدر .
ورفع جحدر رأسه ، يا الله ، هذا صوت ليلى ، ما زال يتردد فتيا في أعماقه ، رغم السنين ، وهمّ بالنهوض ، مادا يده ليلتقط سيفه ، الذي سقط بعيدا عنه ، لكن جند الحجاج أقبلوا مسرعين ، وسيوفهم المخضبة بدماء أصحابه ، تلمع في أيديهم ، وسرعان ما بلغوه ، وأحاطوا به ، من جميع الجهات .
وأغمضت فرسه البرق عينيها ، دون إبطاء ، كأنها لا تريد أن تراه ، وهو يقع تحت سيوف أعدائه.
وشيئا فشيئا ، راحت الشمس .. والصحراء .. والواحة .. والسراب تنطفئ في أعماقها .. حتى أسدل الستار، وحل الظلام .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.