الجهات التسع

جياكوميتي ودوستائيل.. الوجودية في اللوحة

إذا كانت الإشكالية الفلسفية الثنائية: الوجود والعدم، أُشبعت دراسة وتحليلاً منذ خمسينيات (ما بعد الحرب العالمية الثانية) حتى أنها شارفت على التخمة في تفرع روافدها واتجاهاتها، فإنه نادراً ما يُشار إلى العلاقة البرزخية الشائكة بينها وبين وجودية تشكيل اللوحة المعاصرة أو الحديثة.
قد تكون أول الإشارات البكر والمبكرة والمثيرة للدهشة لما تعبق به من رؤيوية توليفية تتمثل في كتاب مقارن لروجيه غارودي أنجزه بالفرنسية خلال الحرب عندما كان أسيراً في الجزائر ثم طبع لأول مرة عام 1963م مع مقدمة لآراغون وأصبح عنوانه: واقعية بلا ضفاف: بيكاسو- جان بيرس- كافكا.

علينا الانتظار حتى عام 1968م لتظهر ترجمته العربية (الهيئة المصرية للكتاب). إنه كتاب يقارن أو يقتنص وجوه الواقعية (بصفته ماركسياً في حينها) في الفنون الثلاثة: اللوحة والقصيدة والرواية. لذلك فالكتاب أصبح ذائع الصيت في مكتبات المراهقة الماركسية العربية أكثر من المكتبات الغربية، يقارب فيه من مفهومه الفني جملته عن بابلو بيكاسو بأنه: «لم يقدم لنا صورة مثالية عن هذا العصر، ولكنه أيضاً لم يشوّهه».
ظهر في تلك الفترة كتاب مقارن في علم الجمال يتفوق على أهمية النزعة الوجودية في الفن هو كتاب إتين سوريو: «تواصل الفنون» عام 1947م، فلاماريون. وهو مؤسس «علم الجمال المقارن» الذي سيطر بعد نصف قرن على الدراسات الفنية الشمولية، التي تعتبر التجريد في شتى الفنون القولية أو البصرية مركزاً للإبداع، ولعله إعادة خيماوية لإقرار شوبنهور منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر بأن «الموسيقى رأس الفنون لأنها تعتمد على التجريد».

العلاقة المحتدمة بين الفن والكلمة

لا أعرف فيلسوفاً تصالح مع الفن ما خلا شوبنهور وغوته فقد ابتدأت هذه العلاقة مع الفلسفة بحالة طلاق، كما هو المثال العريق منذ القرن الخامس قبل الميلاد: أفلاطون، فنظريته المثالية حول «المثل المعلقة» (وفق الترجمة السوريانية) تقسم الوجود إلى مقامين: العالم المعقول (الأعلى) والعالم المحسوس (الأسفل أو المادي الأرضي)، فكل نموذج في العالم السفلي يحيل إلى نموذج مثالي أحادي يقع في عالم المعقول، فالمربع النموذج المثالي الذي لا يقبل حتى رسمه ينعكس على العالم المادي حرفياً من خلال تطبيقاته التي تقلد مثل الطاولة والساحة والبيت الخ.. وبما أنه في عهده درج النحاتون على صبّ وجوه المتوفين من علية القوم والاحتفاظ بالتمثال في منزله وفاءً لذكره، فإن أفلاطون تخيل أن من يصورون الفريسك ينقلون نماذج الواقع المحسوس فقط. وبإطلاقه هذه الصفة توصّل إلى احتقار الفنون بصفتها «تقليد التقليد».

توارث الأدباء بعد قرون (إثر النزعة الإنسانية) هذه النظرة العنصرية الاستعدائية للفنون، مما دفع نجوم الأدب في القرن الثامن عشر لأن يقودوا بعنجهيّة الرومانسية (عصر جيريكو ودولاكروا) ثم السوريالية والانطباعية في القرن التاسع عشر على مثال: أندريه بروتون (مؤسس السوريالية)، ومالارميه (منظر الانطباعية) وآراغون وبودلير وخاصة إميل زولا وفضيحة روايته التي أساءت لصديقه بول سيزان وأخرت تذوقه عدة عقود. هو المثال المفصلي الذي أعاد لحمة العلاقة الإبداعية بين أساطين الشعر الحديث والفن الحديث، ومثالها أندريه بروتون نفسه ثم جاك بريفير وتوأميته مع ماكس إرنست. وبدأنا نتعرف على كتابات الفنانين أنفسهم مثل سينياك (منظر التنقيطية) قبل الوصول إلى التوحد الكامل بين أدوات التنظير الجمالي ومختبر اللوحة مع حداثة أوائل القرن العشرين مع كاندينسكي وبول كلي.

وجودية اللون والكلمة

لم يثبت كتاب جارودي «واقعية بلا ضفاف» على المستوى الفكري أو الفلسفي أي استشراف مستقبلي. بل إن رجعيته البلشفية تتمسك بأيديولوجية الواقعية الاشتراكية في الفن، هي التي بشر بها لينين في علم الجمال الماركسي اللينيني (وضع العنوان بعد وفاته). وبالعكس فإن كتاب معاصره إتين سوريو: «التواصل بين الفنون» تجاوز عصره في التأثير، فكان تلميذه فرانك بوبير أكبر منظر للفنون الحركية والأوبتيك سينيتيك. أما تلميذه الأول المتوفى ألكسندر بابادوبولو فكان المؤسس الأول لقسم علم جمال الفن الإسلامي في جامعة السوربون (درستُ لديه تسع سنوات) فكان تأثيره بليغاً، خاصة كتابه الموسوعي عن الفن الإسلامي. كان فيلسوفاً يعتمد على المصطلحات الفلسفية في كتابه مثل البيهافيرورزم والبارامتر إلخ.. أقول بأن أستاذ أستاذي إيتين سوريو كان المفتاح والمنهل في شمولية وحدة الفنون (النخبوية والحرفية، المشهدية والتشكيلية، الموسيقية والراقصة بالديكورات- إلخ..) ووحدة هذه الفنون مع الفنون القولية والسمعية والسبرنيتيك. لكن هذا اللقاح التوليفي، أو على الأقل المتوازي، كان قد تقاطع ضمن حضن الفكر الوجودي إثر تجربة الحرب العالمية الثانية والمعاقرة اليومية لتجربة الموت والعدم والفناء والانتحار إلخ..

ليس أكيداً أن جان بول سارتر يحتكر تاريخياً تأسيس تيار الوجودية (مع زميلته سيمون دوبوفوار). فإذا كانت تجربة الحرب العالمية الثانية رسختها فقد تجد بصماتها متراجعة حتى رواية «الإنسان الصرصار» لدوستويفسكي. لكن الأكيد أن التأسيس الأصيل لمفهوم الوجودية الفلسفية يرجع إلى خاتم الفلاسفة مارتان هايدغر الألماني مطبقاً منهج سابقه هوسيرل: الفينومينولوجية، خاصة كتابه الأول الأشد صعوبة «وجود وزمان» الذي يقول فيه: «إن إعلان الوفاة ليس حدثاً طارئاً، بل هو ظاهرة يجب فهمها بطريقة وجودية».
أما الفرنسي ألبير كامي الحائز على جائزة نوبل للآداب وصاحب روايات الغريب والطاعون وسيزيف، ففلسفته قائمة على العبث وقدرية أو حتمية اللاجدوى في الملحمة الإنسانية. لعلي الوحيد الذي اكتشف علاقة موته بانتحار نيكولا دوستائيل المصوّر (محاضرة بالفرنسية في قسم الفلسفة في جامعة تونس بقيادة د. رشيدة تريكي) وفي نفس العمر المبكر الأربعين، بل وإن التقارب الفكري أبعد من هذه النهاية، اكتشفت موهبة كامي عندما كان صحافياً يمدد زمان حادث التصادم بين السيارات، دوستائيل بدوره كان يلتقط رسومه السريعة التنظيمية خلال سفره بالقطار السريع ويعاود تجريد المنظر في محترفه بألوان صدفوية وفرشاة ذات سلوك عاصف مثل السهم. إن عمودية التجربة ولا غائية مرجعيتها تجمع لا مبالاة وغثيانات سلوك الاثنين، لدرجة أن بيوغرافي دوستائيل يتطابق مع شخصية مارسو بطل رواية الغريب، وإذا كان عمق يقين دوستائيل بلا جدوى الوجود وعبثية اللوحة قاده إلى الانتحار الطوعي فإن موت كامي هو بمثابة الانتحار القدري اللاطوعي، فكان تنبأ قبل أشهر بأنه سيموت عندما تصطدم سيارته بشجرة وهكذا كان. لا شيء يدل على ثقافته الصوفية الجزائرية أكثر من العودة إلى «طبقات الصوفية» للسلمي، يحدثنا في سيرة أحد الزهاد الجدد حين يحزم أمره بأن يضرب في أرض الله الواسعة، ويتوقف عند أول ضيعة ويسأل أهلها هل لديكم متصوّف؟ فيدلوه عليه فيسأله ماذا وجدت في هذه الضيعة التي لا يوجد فيها مكان ليموت فيه العابر؟ أجابه: بلى تحت شجرة الزيتون هذه ، فيمّم الزاهد شطر ظلها ومات! هي استرجاع للحديث الشريف: «موتوا قبل أن تموتوا» يفسره السيوطي نفسه بأنه الموت الطوعي بأربعة ألوان (الأخضر والأحمر والأسود والأبيض) أما الأخضر فهو الموت من الانتقام أو الاستغراق في التسامح مهما كانت الإساءة. وإذا كان كامي لا يعرف جيداً القراءة بالعربية فقد يكون اطلاعه على التجربة الصوفية (ثنائية البقاء والفناء) بالفرنسية مثله مثل هنري برغسون الذي عرفها بالفرنسية بأنها «التأليه الدائم للوجود»، خاصة وأن جماعة الذوق يعتبرون «اللون سرّ التجلي»، هو مفتاح مصوري المنمنمات من الواسطي وحتى بهزاد عظم الله أجرهما.

بقي أن نعرّج على توأمية جان بول سارتر مع وجودية المصور والنحات الفرنسي ألبرتو جياكوميتي. كان سارتر يعتبر أن «الإنسان يعيش الموت المؤجل بالوكالة عنه»، بمعنى أن تجربة العيش جزء لا يتجزأ من معاناة اللاوجود.

يتفق العديد من النقاد حول تأثر أشكال جياكوميتي المنخورة بالعدم بالفكر الوجودي لدى سارتر. بل إن الكتلة البالغة النحالة تقع بين فراغين، وكأنه يترجم الوجود والعدم بثنائية الفراغ والامتلاء في الفلسفة الطاوية، هي التي تعتبر أن الفراغ بمثابة الوجود الأساسي. ولا شك بأن طريقة نحت ورسم البورتريهات لدى جياكوميتي بتقنية: تنازع الخطوط السوداء السالبة مع البيضاء الموجية، يقود إلى محصلة عدمية. أما نحالة حيوان الكلب الشهير لديه، فتمثل الموت والقحط الجماعي خلال سحابة الحرب العالمية الثانية. ولعلها التجربة المشتركة للتعايش القهري مع غلبة الموت على الحياة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.