الجهات التسع

حسن خيون: الهيئة العربية للمسرح .. بين الواقع والطموح

لطالما عودتنا الهيئة العربية للمسرح وإدارتها الطموحة بمتابعة وإسناد التجارب المسرحية العربية ودعوتها الى مهرجانها السنوي الذي تختاره وعبر كلّ دورة في بلد عربي ما ليكون الحاضنة الفنية واللوجستية للمشاريع والعروض المسرحية التي اجتمعت في فضاء واحد لتلتقي وتأثر وتتأثر وتترك انطباعات مختلفة جاءت من رحم مناخات مختلفة تعكس رؤىً وافكارا وتطلعات صانعيها.

الهيئة العربية للمسرح وكما ذكرت أعلاه أختارت “لنفسها وبنفسها”أن تكون الجامعة
الاولى لكل التجارب المسرحية العربية.

حسن خيون مسرحي عراقي

أن الهئية العربية للمسرح أختارت لنفسها وبنفسها أن تكون الراعي الاول للمسرحين العرب وعبر أمارة الشارقة في دولة الامارات العربية المتحدة، ليرتفع صوت حاكمها الشيخ د. سلطان بن محمد القاسمي ورؤيته وفلسفته في أن يكون للمسرحين العرب هيئة مركزية محترفة تحتويهم وتقدم لهم الإمكانيات اللوجستية والمادية التي تخدم و تساهم في عرض وانتشار مشاريعهم بمختلف أفكارهم
وتوجهاتهم الفكرية الايدولوجية والاسلوبية التطبيقية ..
وعليه تشكّل هذا الملتقى النوعي (الجامع) ليكون رحما حقيقيا ونافذةً مهمة للتواصل واللقاء ما بين المسرحين العرب، ولكل مسرحي جاد وباحث في عوالمه المسرحية التي يؤمن بها
ويسعى إلى تحقيقها وتقديمها عبر أسلوب فني مسرحي يعتمده
ويرغب فيه على أن تبقى نوافذ النقد البنّاء مفتوحة على مصرعيها.

أثبتت الدورات الماضية للهيئة العربية نجاحها بمستويات متفاوتة وبغض النظر عن الكم والنوع، وهذا ليس حكما عن قرب وأنما عن متابعة دقيقة وقراءة واستنتاج، حيث تمثّل هذا النجاح أولًا في حشدٍ مسرحيٍّ عربيٍّ كبير ومتنوع احيانا ، ورصدِ تجاربٍ مسرحيةٍ
مهمةٍ ذات أساليبٍ وطرقِ اشتغالٍ مختلفةٍ ومتعددة وعليه ندعو بحبٍّ ومسؤولية على الانفتاح، وألا تبقى دورات المهرجان تدور في فلك وجوه بعينيها، بل هي دعوى صادقة للذهاب نحو أسماء اخرى لأجيال مختلفةً تساهم وتُغني النتاج الثقافي العربي المسرحي.

هذا من جانب ومن جانب آخر الانفتاح والتقبل لمشاهدة أعمال مسرحية ذات طابع معاصر والذهاب بعيدا في “قراءة” هذه الأعمال المسرحية وان لا ندع فسحة للعواطف و”الشخصنة” أن تسيطر على هذه القراءة لاسيما إن كانت من مختصّ يدرك مفاتيح اللعبة المسرحية، وخير مثال أذكره هنا مسرحية “يا رب” للكاتب عبد النبي الزيدي ومخرجها الشاب مصطفى الركابي التي مثلت العراق في إحدى دورات المهرجان والجميع يعلم ويذكر حجم الانتقادات التي وجهت لهذا العرض، والسبب هو جرأة الخطاب والمباشرة، أي الأسلوب التقديمي الواضح في رصد مشاكل مجتمع كامل كسر “التابو” الذي يرى البعض للأسف الشديد بأنه خط احمر ولا يمكن تجاوزه او المساس به, علما أن الانفتاح المجتمعي، وازدياد الوعي لدى الناس افرز نوعا خاصا لخطابٍ ثقافيٍّ غير كلاسيكي لدى الباحث،
والمشتغل المسرحي يستطيع من خلاله بمخاطبة المقدس عبر أسلوب معاصر يتماشى ويتناغم مع معطيات ومتغيرات العصر، بالإضافة إلى وتيرة الأحداث المتسارعة التي تعصف في المنطقة والتي وضعت الإنسان في تساؤلات مصيرية وذات بعد شمولي، في حين مازال البعض يرى ممن يؤمن بالخطاب الكلاسيكي التقليدي على ان هذا النوع من الخطابات هو بمثابة تجاوز خطير وغير اخلاقي ويفتح نافذة جديدة قد يأتي
يوم لا نستطيع أغلاقها في حال استمر وتنامى هذا النوع من الأعمال والمشاريع المسرحية المعاصرة وأسلوب النقد الذي يحمله على مستوى المضمون
الذي أراه غايةً في الحقيقة والتعبير الانساني الناجع وغير المثالي في مخاطبة المقدّس
او “الذات الإلهية” وهو ادراك واقعي ومادي لماهيتنا وحقيقتنا نحن البشر.

أن الهيئة العربية للمسرح وكما ذكرت أعلاه أختارت “لنفسها وبنفسها”أن تكون الجامعة
الاولى لكل التجارب المسرحية العربية التي يتم اختيارها مسبقًا عبر “لجنة مشاهدة متخصصة” ومدركة لنوع الخطاب المسرحي المعاصر والتيارات المسرحية بشكلها العام، وهذه تعتبر أولى الخطوات التي تُبدي الموافقة على العروض المشاركة،
وما استضافتها إلا خطوة تشريفية ثانية يتنافس فيها العرض للحصول على جائزة المهرجان الكبرى.

أن التركيز على الخطاب المعاصر المباشر يجب ان يجد اهتماما متناميا وواعيا منفتحا ومرنا، لان المسرح ومن يعمل به وينادي من أجله ينبغي
اّلا يؤمن “بالتابو” والسبب بديهي جدا ، لان المسرح فن إنساني يخاطب كلَّ المجتمعات الانسانية
ويطرح كلّ الإرهاصات التي تجوب في النفس البشرية, والخشبة المسرحيىة ليست ملكا لجنسٍ ما، او لشعبٍ ما، أو لدينٍ بل هي فسحة الحرية والمنصة ألإنسانية
المطلقة التي لا حدود لها ولا أية حواجز في نقل الخطاب أياً كان شكله ومضمونه وتوجّهه ويبقى للمتلقي “المشاهد” المختص وغير المختص الرأي والحكم النهائي في ان يتقبل اولا وتقبله أوعدمه ينبغي ان لا يتعدى النقد البنّاء بعيدا عن “الشخصنة” والتجريح والابتعاد عن المهنية والسلوكيات العامة .

من هذا كله يحقّ لنا نحن المسرحين والباحثين ان نطرح الأسئلة التالية:

– هل وصلت الهيئة العربية للمسرح إلى مستوى الطموح, وهل أوصلت المسرحي العربي
الشرق أوسطي الى “العالمية” عبر المهرجانات الرائدة لنقل صورة واقعية عن مسرح عربي حيّ وفعّال؟

الجواب كلا والسبب لأنها أسيرة “الشخصنة” ولا ترغب ولا تسعى الى الانفتاح الحقيقي
المثمر ولا تستمع الى وجهات النظر المختلفة ولا تجلب او تعتمد على طاقات جديدة ذات فكر آخر مغاير تمتلك الخبرة والدراية بما يجري ويقدم على خشبات مسارح العالم..

من هنا اعتقد ان عامل “الشخصنة” هو السبب الرئيسي في ذلك ناهيك عن “المزاجية” والرغبات الذاتية الضيّقة! يقولون في علم النفس “إنّ “شخصنة” الأمور لا تعود بالنفع على صاحبها، بل إنّها تُغلق
الأبواب أمام الحيادية، وتلوث الأفكار والآراء, وتتمسك برأي الذات المغلق وكل ذلك طبعا يعيد المجتمع إلى مفاهيم “ورائية” قاصرة .

رغبتنا كبيرة في ان تنفتح الهيئة العربية للمسرح وتتوسع أكثر وتسعى إلى ذلك بجدية
وتنوع فكري مهني من خلال توسيع دائرة القرار فيها كي تتعمّق الرؤيا وتتوضّح القراءة ويثمر النتاج، وتتلاشى الشخصنة بتعدد الأفكاروالاشخاص وهذا يعني عدم حبس القرار في نطاق
طاولة مستديرة صغيرة لا تتعدى بعض الأشخاص، والسعي بجدٍ لمدّ جسور التعاون المثمر
مع دول العالم, لنقل تجارب مسرحية عربية مهمة وفتح ابواب الإنتاج والتسويق وتبادل الخبرات..

أن الهيئة العربية للمسرح قادرة على تحقيق هذا كله، والسبب انها تمتلك البنى التحتية
المتقدمة والمنتشرة في البلاد العربية ذات التاريخ المسرحي الحافل والكبير ناهيك عن مقرها في إمارة الشارقة بالإضافة الى القدرة المستنبطة من حلم وطموح ورغبة الشيخ د. سلطان بن محمد القاسمي
للوصول إلى الأهداف السامية في تحقيق ثقافةٍ مسرحيةٍ شاملة ومسرحٍ عربيّ متقدم ومتطورٍ
ولا يبقى حبيس المحلية فالمسرح هو لغة الإنسانية، أما آن الوقت لذلك ونحن في عام 2020 ؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.