الجهات التسع

خيانة أخرى – عبدالله شبلي – كلميم المغرب

” أدخلت هنا بحثا عن تسلية حقا؟ أم جئت هنا عابرا إلى فضاء آخر، قد يكون مصطنعا، لكنه ينسيني فضاء آخر واقعيا لا متخيلا؟”

هكذا كانت تحدثه نفسه، وهو جالس في محيط قد نسي تحديده ووسمه، كان قد أدلف إلى قاعة السينما، أخذ ورقة كغيره أدى ثمنها مغييا، فأقعى على كرسي خشبي متهالك يسمع له صرير كصوت كوابح متآكلة ، غير أنه لم يدر سبب مجيئه إلى هناك.
الناس يتهامسون أو يتكلمون بصوت مسموع ، يتضاحكون ، بعضهم يلوك علكة ، بينما آخرون – ولعلهم من عشاق فن سابع – ينتظرون في خشوع جنائزي أو صمت صلاة مقدسة ، إضاءة شاشة عملاقة ، كانوا يتأملونها تأمل معشوق لمحيا معشوقته ، وهم جلوس في كراسي ممهدة و مريحة.
فتاة تجلس بجانبه سمراء اللون ، تمتص مشروبا غازيا باردا ، غير بعيد عنه أيضا ، صديقان يتجادلان ، يتبادلان الحديث بصخب مسموع ، حول أهمية الفيلم ، وحده كان يجلس منعزلا ، منزويا في ركن قصي ، دون أن يعلم حقا سببا واحداً دفعه إلى القدوم إلى السينما هذا المساء الربيعي من شهر أبريل.

– ” أنت لا تساوي شيئاً بالنسبة لي أنت نكرة ”
-” لست سوى يافطة تعلق على الباب الخارجي ، أما داخل المسكن ، فلا حضور لك ، أ لم تدرك ذلك بعد أيها المعتوه البغيض ؟ ”
-” أخرج من بيتي أيها الأسود النتن ”
هكذا قالت له يومها دون أن يستطيع أن ينطق بكلمة واحدة ، أغرقته بوابل كلماتها النابية ، وأتبعت ذلك كله بصقة كبيرة ، عرف لسانها الشرير والجريء كيف يوزعها على جميع أركانه وجهه الأسود الداكن ، وجه رسمت عليه سنوات الجندية الطويلة كل تلاوين العذاب والقهر ، فلا هو تنعم بماله الذي يجنيه من شرر الرصاص ورائحة الموت الذي يأكل كل يوم واحداً من أعز أصحابه ، ولا طاب له المقام بين أحضان زوجته وأولاده .
– ” كيف الفكاك من كيدها وقيدها ، وأنا بنفسي كتب الدار باسمها ؟ ”
– ” أولادي من صلبي حرمتني منهم ، وقد فجرتها في وجهي ذات صباح ، ” إنهم ليسوا أبناءك أيها الأسود النتن ، أ واثق حقاً أنك ستلد أمثال هؤلاء البلق ، بوجوه شقراء!! ؟ ” ”

” لقد أخبروني عن ذلك كم من مرة ، غير أنني كنت مغيبا مسحورا ، ثقة عمياء تطوقني ، صديقي الحميم المؤتمن ذاك الذي لا أمان ولا أمانة فيه ، كنت أسلمه الشيكات ليوصلها إلى زوجتي ، لا ، لا ، هي زوجته ولم تكن يوما زوجتي ، آه ما أمر طعم الخيانة من قريب حميم ، إني أحس بمرارتها في حلقي ….. ”

كان يتوجع ويتألم ، حواره الداخلي مع نفسه أيقظ في دواخله نارا خامدة ، بركان يتصاعد من جوفه ويحرق حنجرته وبلعومه ، رأسه المتقدة جمرا تغلي غلي المرجل تحت فحم مستعر ، لهيبه يتجدد ويتصاعد كل لحظة وحين.

إن سبب تعاسته الآن ليس ما وقع ، بل هي مخيلته الجريحة المتقيحة ، التي تحركت هنا من جديد ، لتحرك أوجاعا ظلت مطمورة مدة سنتين كاملتين.
” اللعنة لهذا المخرج المغمور ، الذي يزعمون أنه متحرر ومشهور ، أ لم يجد غير هذه القصة المبتذلة ، وهذه البطلة المزيفة ليسجنني من جديد في ذكرياتك المهينة ، التي كنت أزعم أنها ماتت وانتهت بطلاقي! ”

” هناك آلاف القصص والحكايا ، الأحداث والأخبار ، البرد والفقر يحاصر قرى بأكملها في جبال الأطلس ، سكان غزة يدفنون أحياء تحت الأنقاض ، سوريا ، اليمن و كورونا ، ومأساة الروهينغا ، شعوب بأكملها تمور ، وأخرى تتنفس الحرية ، والربيع العربي و و……
” خيانة مرة أخرى ، ومن صديق ، ونفس الدعوى ، ونفس الوهم : الحب ، تباً لهذا المخرج النكرة ، لعنة الله عليكم ولعنة الله على حب الأفلام والمسلسلات ، التي كانت تعشش في أرجاء ذاكرتها المريضة ”
كانت ساعتها بطلة الفيلم تقول لعشيقها ” صحيح ، أنا متزوجة لكنني لم أتزوج عن حب ، أنا لا أحبه ، هو زوجي لكن أنت حبيبي ، أنت كل شيء في حياتي ، لا تخف سأطلب الطلاق قريبا ”
خنقته الذكرى ساعة ساعة ، ولحظة بلحظة ، سنوات عذاب طويلة. قفزت به مشاهد الفيلم الملعون لترمي به في هوة سحيقة لا قرارة لها ، بين أتون العذابات المتكررة التي صبغت حياته مع زوجته تلك التي أنقذها من الدعارة ذات يوم ، فأقسمت له بأغلظ الإيمان أنها لن تعود كما كانت ، بل ستصبح غير ما كانت .
وكان كلام نساء ، كلام ليل وخمور ، محاه نهار وفجور….

تتوالى اللحظات وهو مسمر أمام هذه الشاشة البغيضة ، أحس بقشعريرة تغزو جسده النحيل المعظم ، ابتدأت من أخمص قدميه ، طفقت تأكله رويدا رويدا ، تحسس جبهته المحببة الناتئة ، وجدها باردة ، بدأ ينضح عرقا ، استغرب هذه الحرارة الممزوجة ببرودة غير معهودة ، لمس قميصه البني الداكن متحسسا ، دس يدا معروقة في جيبه الأيسر ، كانت ترتعش ، حاول جاهدا أن يمسك بلفافة التبغ اليتيمة المركونة في أطراف الجيب .
كانت المشاهد لا تزال تعبر أمامه دون توقف ، كأنه يراقب من نافذة قطار صورا متواصلة لا تنتهي. المكان معتم لا نور فيه ، أحس كأنه سجين في سرداب مغلق ، لم تكن تلك القهقهة التي تدنس سكون المكان عادة ، مرة تلو أخرى ، لتعني له شيئاً ، لأنه ببساطة لم يكن يسمعها أبداً ، فقد كان مغيبا هنا ، يعيش هناك في مكان آخر….

– ” لقد حملتني المشاهد والكلمات إلى ماض لعين ، كان فد توارى خلفي إلى غير رجعة ”

الحقيقة أن هذا الماضي لم يختف تماماً ، ولا يمكن أن يختفي أبداً ، انما كان يحجبه الرجل برتابة العيش اليومي بالمواراة والمواربة والاصطناع ، وبأقنعة متعددة يصنعها كل يوم جديد ، ليؤكد للآخرين أنه أقوى منها ، أقوى من خيانتها وغدرها ، أقوى من تلون الصديق. لكنه عندما كان يخلو إلى نفسه ، ساعتها يرمي الأقنعة ، ويواجه نفسه المحطمة ، كان يبكي وينتحب انتحابا مرا ، يبكي بهستيرية بكاء المحزون المفجوع .

أدمن المخدرات بعد أن جرب كل العقاقير والمهدئات التي باتت تأكل نصف مرتبه المهلهل أصلاً ، بعد أن حكمت عليه المحكمة أن يمنح الخائنة نصف مرتبه.

– “ليتني انتحرت ذاك اليوم المشهود ، حينما طردتني من بيتي أمام الناس ، والكل يشهد على مأساتي ، كانوا يعزونني في فقدي ، لكنهم في قرارة أنفسهم كانوا يشمتون ، يكيدون ويتغامزون ، أعرفهم جميعا جميعاً ، كل هؤلاء ، هذه الوجوه الصفراء المحنطة التي لا هم لها إلا مصائب الخلق ، تقتات عليها صباح مساء ، تشرب كل يوم شايا مختلفا محلى بفضائح البيوتات وأسرار أهلها ، وجوه استوطنها النفاق وصار سلعتها التي لاتبور .”
الأفق أسود ، والعالم لا نور فيه ، إنه شبيه بهذه القاعة المظلمة التي لا نور فيها ، قبر كبير جدا تبدو لك الحياة في هذه الحالات ، لا ضياء تراه من بعيد ، يلوح منجدا ، ولا صديق منقذا يمد لك يدين تتشبث بهما وأنت في مأمن من غدر وخيانة.
القاعة الآن دامسة بدون صور ، عم الصفير والعويل ، وتعالى الشتم والصياح ، أضيئت المصابيح من جديد ، حينها فقط تنبه إلى أن ذلك يعني في أعراف رواد السينما أن عطلا معينا قد حدث ، وأن الشاشة الكبيرة أمام الناس غدت مسطحة ، حائطا أجدب لا حياة فيه……

يعود الناس من جديد إلى المشاهدة ، أما هو فهم وحيد يعشس في رأسه ، أحس بالكرسي يضغط على وركيه ، تعالت دقات قلبه ، اتسعت حدقتا عينيه ، وهو يتتبع خطوات البطلة الخائنة التي كانت ترقص في غنج واضح لعشيقها ، بينما كانت تتمنع أمام زوجها وتتظاهر بالمرض ، وهي على فراش الزوجية.
” إنها أفعى برأسين ، آه آه ، إن كيدكن عظيم ، إنها تشبهها تماما ، لاشك في ذلك ماركة مسجلة ”

أحس بثقل رأسه ، لم يعد يطيق حمله بين كتفيه ،ماذا لو أمكنه التخلص منه ؟ هذا الرأس المكور الذي غدا مصدر ألمه وحزنه السرمدي ، إنه نفس الرأس الزبيبة الذي عيرته به ، تمنى لو يستطيع رميه جانباً ، أو على الأقل أن يستبدله برأس آخر ، لا يكون مهموماً أو أسود معيبا ، رأس يصنعه على مقاسه ، على مزاجه كما يشتهي بالضبط.
فجأة تذكر اللفافة التي كانت بين أصابعه السوداء ذات الأظافر الطويلة المتسخة ، حاول إلتقاط ولاعته من جيب سرواله الخلفي ، لكن يده لم تسعفه أبدا ، كانت متخشبة يابسة لا دماء تسري فيها تحت وقع المشاهد المعروضة.
هاهي الأحداث قد حاصرته محاصرة تامة ، فاستيقظت مآسي دواخل نفسه المطمورة ، لينتصب لاوعيه متحديا كبرياءه ومداراته التي حاول أن يخفي وراءها ألمه الدفين.
سيطرت عليه رغبة عارمة في الخروج من ردهات القاعة المظلمة ، تلك القاعة التي بدت له ساعتها قاعة محكمة حكمت عليه بالموت شنقا إرضاء لزوجته الخائنة ، كان يمني نفسه بهواء بارد منعش يرجع إلى رئتيه الحياة المسلوبة ، حالما يمتع عينيه بالحديقة الجميلة المقابلة لهذه البناية التي يختنق فيها الآن ، ولا أحد يقوم لمساعدته .

لعل الخروج يريحه من وجع ذكرياتها المريرة المحفورة في قرارة ذاكرته. وعلى الفور ، وكمن وجد ترياقا سحريا ، أسرع يلتمس الخطى إلى الباب في طريق مظلم حالك إلا من ضوء متلصص مرة مرة من شاشة العرض ، وهو لا يزال يسمع ضحكات العشيقة مع عشيقها تثقب أذنيه .
وهو منطلق في طريقه ، أحس بخطاها تتبعه حينما هم بمغادرة الكرسي الخشبي ، رائحتها المثيرة تغازل أنفه ، لكنها لم تعد تشده أبداً ، بل تقززه وتدفعه إلى القيء والهروب .
– ” إنها رائحتها تلاحقني أيضاً حتى في في قاعة السينما ” .
-” أعرفها أكاد أميزها بين آلاف الروائح ، إنها مميزة بطعم الخيانة . ”
يد تمتد إليه من خلفه لتجذبه ، عبثا حاول الإلتفات لكنه لم يستطع ، فعروق قفاه قد تكلست ولن تسعفه هذه المرة في إلتفاتة قصيرة ، رقبته ما تزال محنطة ، وضعت اليد الناعمة فوق كتفه ، سمع همسا رقيقا ورخيما قرب أذنيه ساخنا مخلوطا برائحة خمر وضيع : ” أيها الوسيم ، أ تريد أن أنير لك الطريق لتخرج ، المصباح اليدوي معي ”

ثم أردفت دون أن تنتظر منه جوابا ، وهي تغازل شعرها في غواية :” خمسة دراهم فقط ، وأزيدك ، إن أجزلت ، ضحكاً وغنجا ، وربما تود شيئاً آخر ، أنا تحت الطلب. ”

– ” لم خرجت مبكرا ، أ لم يعجبك الفيلم الرومانسي ؟ ”

حينها أدرك أنها العاملة في السينما ، التي اعتادت مرافقة الزبناء حاملة معها مصباحاً يدويا ، طمعاً في اكرامياتهم وأشياء أخرى.

– ” لا ، لا أنا خفاش أنا ظلامي ” هكذا أجاب على عجل مقتضبا ومجبرا أيضاً ، غادر القاعة ، دون أن يكون قادراً على تأمل وجهها الغارق في الظلام ، ثم ولاها ظهره حزيناً مهزوما ومأزوما .

خرج من الباب الحديدي ، الحديقة الجميلة بكراسيها المتراصة أمامه مباشرة ، لقد كان قبل قليل يمني نفسه بتنفس هوائها ، لتنعش نفسه المنتكسة والمسحوقة بكي قديم ، نفس تفور وتغلي تحت وقع جرح تقرح ودمامل لم تندمل أبدا . لعل أمله يتحقق بجلوس في هذه الحديقة فترجع إليه وهجا مفتقدا ، بل تأقلما صوريا ، كان يصنع منه قناع سعادة مزيف….
وحينما وضع يمناه في الشارع كان عقله مغيبا تماماً ، يهيم في لحظات السواد الكثيرة التي نسجتها الزوجة بإحكام لتغلف بها ساعات عمره. ذاك السواد لم يجد له رديفا ولا شبيها إلا سواد وجهه الذي طالما عيرته به أمام الناس دون وجل ، أو سواد أيام جنديته الكئيبة.

– ” كانوا يبصقون في وجهي لأتفه الأسباب ، يسبونني ، يمارسون الإخصاء في حق رجولتي ”
-” لم يكن يهمهم شيء ، كان هدفهم وحيدا : أن تحتقر نفسك ، وتفقد أنفتك ، توازنك ورجولتك ، تباً لهم وتعسا ، إنهم أيضاً يشبهونها ، يشبهونها حد التطابق. ”
– ” أنا لا أستحق الحياة ، ليس لي على هذه الأرض ما يستحق الحياة ”
وحينما أنهى الرجل عبارته الحدسية تلك ، كانت سيارة رباعية الدفع تسير بسرعة جنونية ، وصاحبها تحت تأثير سكر طافح ونشوة موسيقى غربية صاخبة ، قد هشمت رأسه الأسود تهشيما ، فأنتزع منه ، لتنزع منه لظى الذكريات الموجعة والحارقة التي سكنته منذ أعوام ، والتي كانت تستعر داخل تجاويفه دون توقف .
وهكذا مات في صمت ليلي موحش دون شهود ، بعد أن عاش في صمت في دنس نسوي دون معين.

أمات مقتولاً ذاك الأسود أم فارق الحياة منتحرا ؟ أ قتل محتارا أم مختارا ؟

مصدر www.theguardian.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.