الجهات التسع

عن أحياء البحر الميّت.. بحر الأسرار

الحديث هنا ليس عن رواية مؤنس الرزاز، الأديب الأردني الراحل، والتي تحمل عنوان “أحياء في البحر الميّت” (1)، وإنما عن نباتات حية تنبت وتنمو على شواطئ البحر الميت. وبكلمات أخرى فإن الحديث لا ينطوي على مفارقة لغوية، كما في عنوان رواية الرزاز، وإنما هو عن مفارقة طبيعية وواقعية.
فمن المعروف أن البحر الميت هو، في حقيقة الأمر، “بحيرة ملحية مغلقة” تقع على الخط الفاصل ما بين الأردن وفلسطين، كما أنه – أي البحر الميت – أخفض نقطة على سطح الأرض، حيث يصل منسوب شاطئه إلى حوالي 400 متر دون مستوى سطح البحر. والأهم من ذلك، بالنسبة إلى موضوعنا هنا، هو أنه يتميز بشدة ملوحة لا تجاريه فيها بحار أخرى، إذ تبلغ نسبة الأملاح فيه حوالي 34%، أي ما يعادل تسعة أضعاف تركيز الأملاح في البحر الأبيض المتوسط. وتفسر الموسوعة الرقمية “ويكيبيديا” ارتفاع ملوحة البحر الميت كونه الوجهة النهائية للمياه التي تصب فيها، وعدم وجود مخرج لها بعده.
تعرفت لأول مرة على “أحياء البحر الميت”، أي تلك النباتات النامية على الشاطئ الشرقي (الأردني) من البحر الميت قبل أكثر من عقد ونصف العقد، حين كنت في صحبة زملاء وأصدقاء من “جمعية التصوير الأردنية”، في طريق عودتنا لعمان من رحلة إلى قرية ضانا في محافظة الطفيلة، وكانت عودتنا مروراً بالأغوار الجنوبية على الطريق المحاذي لشواطئ البحر الميت.
حينذاك كان بوسع العابرين لذلك الطريق رؤية مساحات واسعة من الشواطئ المفتوحة للبحر، والتي يمكن للمواطن أن يصل إليها بحرية، رغم وجود رقابة أمنية مشددة على تلك الشواطئ الفارغة، حيث كانت مياه البحر الفاصلة بينها وبين الشواطئ الفلسطينية، الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، لا تزيد في أوسع نقاط العرض عن 17.5 كيلومتر، بينما لا تزيد في خاصرة البحر، وهي المنطقة الفاصلة بين الحوض الشمالي للبحر عن حوضه الجنوبي، عن كيلومترين مربعين!

كان الوقت يقترب من المغيب حين قطعنا مسافة من الأراضي الوعرة الفاصلة ما بين الشارع الرئيسي للبحر الميت وبين شاطئه الشرقي. كان ذلك في نقطة ما تقع ما بين ملاحات شركة البوتاس العربية، وجسر نهر الموجب. في تلك الأراضي التي كانت تتحول من الوعورة إلى مزيج من التربة الضحلة والبرك المملوءة بالمياه الراكدة، كلما تقدم بنا المسير نحو البحر، كنا ننتهي الى سبخات متصلة من المياه المالحة، والتي تتقلب ألوانها ما بين اللون القصديري والصدأ المعدني والتي لا تلبث أن تلتقي بالبحر نفسه. في تلك البقعة استقبلتنا شجيرات كثيرة السيقان، تتدلى منها أغصان دقيقة وطويلة.
كنت، مثل زملائي الآخرين، نستعمل الجيل السابق من الكاميرات ذات الأفلام الجيلاتينية، أي الكاميرات ما قبل الرقمية، والتي تتطلب إعداداً يدوياً للكاميرا قبل كل لقطة نأخذها. هناك، ونحن على مرمى حجر من تلك النباتات اقتنصنا الدقائق القليلة من ضوء ما قبل غروب الشمس لنلتقط ما أمكننا من صور، بينما تسدل البيئة المحيطة بنا نوعاً من الهدوء على فريق المصورين، لا تقطعه سوى أصوات مكبوتة لضغطات أصابعنا على أزرار الكاميرات (أنظر الصور المرافقة للمقالة).
تحت أقدامنا كانت تتناثر مجموعة هائلة من الحجارة الملساء، والتي كستها المياه المالحة بألوان صدفية لامعة، ثم تمتد أمامنا مساحات في المياه البيضاء التي اكتست، تحت تأثير ضوء الشمس الغاربة، لون الفانيلا، وعلى بعد أمتار قليلة من الماء تتناثر الشجيرات هنا وهناك، حتى يصعب تمييز أغصان تلك الشجيرات عن ظلالها القاتمة المنعكسة على صفحة المياه الساكنة.
ما سر هذه النباتات الحية التي تنبعث من قعر المياه الضحلة لشواطئ البحر الأكثر ملوحة في العالم؟! وكيف تعيش تلك النباتات في بحر حمل يوماً اسم “بحر الملح” و”بحر الموت” و”بحر الزفت”… من بين أسماء أخرى تسمى بها؟!

بالعودة إلى تاريخ المنطقة الطبيعي نعلم أن وادي (غور) الأردن والبحر الميت اتسما قديماً وحتى الآن بحياة برية غنية، فهي تتميز بمناخ شبه مداري، ما يسمح لنباتات استوائية وشبه استوائية بالنمو فيها. أما شواطئ البحر الميت فهي تحتوي على “نمط النباتات الملحي”، حيث تختلف هذه النباتات من منطقة وأخرى (مثل الأزرق وغور الأردن) باختلاف درجة ملوحتها، وبالتالي قدرتها على تحمل الملوحة. ومن هذه النباتات الغرقد والأثل.
ويقول خبراء البيئة في تلك المنطقة إن هذا النوع من النباتات ينمو على شواطئ البحر الميت في أعقاب فصل الشتاء مباشرة، وإثر هطول الأمطار، علماً بأن معدلات هطولات الأمطار في المنطقة لا تزيد عن 50 ملم (2 بوصة). لكن البحر يتغذى من السيول المتدفقة من المرتفعات المجاورة ذات الكثافة المطرية الأعلى نسبياً، حيث لا يزيد عدد السيول والوديان المفضية إلى شاطئ البحر الميت الشرقي عن خمسة، مقابل 23 وادياً وسيلاً على الجانب الغربي (الفلسطيني) من البحر.
تسهم تلك السيول عند وصولها إلى شواطئ البحر الميت في تحلية مياهه، أو بالأحرى في تخفيض نسبة ملوحته شيئاً فشيئاً، ما يسمح للحياة النباتية بالنشوء والنمو، على الأقل في الشواطئ المقابلة للجبال والهضاب المرتفعة.
كأن حوض البحر الميت تنقصه الأعاجيب، حتى أن النباتات تنمو في مياهه الضحلة، شديدة الملوحة، فهو ليس فقط أخفض نقطة على سطح الأرض، وإنما هو الأعلى تركيزاً للأوكسجين في هوائه، إذ تصل إلى 36%، بينما هي في المتوسط العالمي 26%، والضغط الجوي فيه هو الأعلى أيضاً في العالم، إذ يصل إلى ما بين 796 و799 ملم زئبقي.
وعدا عن ارتباط البحر الميت بأحداث دينية وتاريخية ورد ذكرها في الكتب المقدسة، وإلى جانب الأساطير والروايات التاريخية والدينية المتعددة حوله، فإن البحر الميت يعد ظاهرة طبيعية نادرة الوجود في العالم، فهو لا ينفرد فقط بقوة تركيز الأملاح فيه، وإنما أيضاً بفرادة التركيب الكيميائي لمياهه، حيث يتكون معظمه من أملاح الكبريتات والكربونات، فيما يكاد الكالسيوم يكون معدوماً فيه. والأغرب هو كمية البروم فيه، والتي تبلغ 5920 ملغم لكل لتر، في حين تتراوح كمية البروم في المحيطات والبحار الأخرى ما بين 290 و1000 ملم / لتر.
وباختصار فإن البحر الميت مجموعة من الأعاجيب والظواهر الطبيعية النادرة، ومنها “أحياء البحر الميت”، والتي لا تقتصر على النباتات الملحية وإنما تشمل أيضاً وجود طبقة رقيقة وغريبة من أنواع بكتيرية جديدة وغير معروفة من قبل، تم الكشف عنها في حفر تقع في الجزء السفلي للبحر الميت. ومع اكتشاف العلماء مؤخراً لعشرات الينابيع ذات المياه العذبة على عمق 30 إلى 100 قدم تحت قعر البحر الميت، فإنه ليس من المستبعد أن يُكتشف وجود حيوانات وأحياء بحرية أخرى يختزنها “بحر الأسرار”، كما يجب أن يسمى أيضاً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.