الجهات التسع

فلاديمير فيلكوفيتش.. بلدي الذي لم يعد موجوداً

بهذه الجملة، يقدّم فلاديمير فيلكوفيتش نفسه، في الفيلم المرافق لمعرضه، بعد أن يذكر اسمه وتاريخ ومكان ولادته، بلغراد في يوغسلافيا: البلد الذي لم يعد موجوداً.
الرسام اليوغسلافي، الذي وصل باريس شاباً قادماً من بلاد الحرب، توفي العام الفائت عن أربعة وثمانين عاماً، أمضى أكثرها في المنفى، حيث وُلد سنة 1935، ووصل باريس عام 1966، إثر حصوله على جائزة في الرسم، لتنقلب حياته الفنية باكراً. يقول مازحاً في أحد الحوارات معه: جئت إلى فرنسا حاصلاً على جائزة تخوّلني الإقامة لستة أشهر، وهذه الأشهر الستة، تحولت إلى ستين عاماً.
أقام معرضه الفردي الأول سنة 1967 في باريس، ولفت نظر الصحافة العالمية.
في مدينة لاندرو وفي قاعة فخمة تخصص لعرض كبار الفنانين، كبيكاسو وشاغال، يقام معرضه الحالي، المستمر حتى نهاية الشهر الرابع، والذي يسبب الكثير من الألم والخوف حين مشاهدته.
لا تنتمي لوحات فيلكوفيتش إلى عالم جميل ممتع، فهو ابن الحرب، والشاهد على عذابات شعبه، وعلى جرائم النازيين ضد اليوغسلاف.
على المشاهد احتمال هذه اللوحات الصادمة: أجساد عارية ممزّقة، رؤوس متناثرة، غربان تنقر الأجساد، جرذان تعتدي على الشر، الهلع في اللوحات لا يخبئ نفسه، بل يكاد يقفز من رسومات فلاديمير، ليلتصق بالذاكرة البصرية لزائر المعرض.

الفنان كشاهد على الحرب

إنها الحرب، هذه الأجساد المرسومة، والأيدي المعلّقة، والرؤوس المتدلية، تجذب إلى تفكير أي زائر يعرف قليلاً صور ما يحدث الآن في سورية، جثث السوريين، والمقابر الجماعية، وصور “قيصر” لأجساد ماتت تحت التعذيب، تحمل أرقاماً، فقد أصحابها أسماءهم، وتحولوا إلى مجرد أعداد في سجل الضحايا الطويل والكبير، الذي يصعب حصره.

ماذا يفعل الفنان قبالة الحرب؟ هذا السؤال الذي يلحّ على أحدنا وهو يتفرّج على اللوحات، بل والسؤال الأصعب، الذي لم أجد جواباً شافياً عليه: كيف يعيش شخص مثل فلاديمير فيلكوفيتش حياته كإنسان عادي، وهو محاط بهذه الذاكرة وهذا الخيال المعجون بالعنف والاعتداء والخوف.
حاولتُ تتبّع تقسيم المعرض، لأنظّم أفكاري المحتشدة، وأنا عاجزة عن استيعاب أن ما أراه من لوحات، هي لرسام يوغسلافي عانى من أهوال الحرب في بلاده، وهو يرسم ما تركته الحرب في نفسه، وليس رساما سوريا يقدّم لنا فظائع الحرب في سورية. هذه يوغسلافيا، وهذا فلاديمير فيلكوفيتش، كنت أكرر لنفسي، حتى أخفّف من خوفي، كأن الخوف يصبح أقل حدّة، حين نعرف أن ما نراه الآن، سبق أن حدث في بلاد بعيدة، ولكن عقلي لم يكن يقبل: إذا كان هذا العنف الذي حدث في التسعينيات من القرن الحالي، وخلّف كل هذا الدمار، لماذا يتكرر اليوم، بشكل ما، في سورية، ويترك العالم ذلك يحدث من جديد؟
تركت مشاعري على جنب، رغم صعوبة هذا، لأن قسوة اللوحات تلتصق بخلايا العين وتؤسس لذاتها مكاناً خاصاً للذاكرة، يفرض آليته على ما حوله، ليصعب على أحدنا بعد الخروج من المعرض، رؤية الألوان والنهر والحديقة ووجوه الناس البسيطة، بل تلتصق الغربان والجرذان والهياكل العظمية والجماجم المتدحرجة في المخيلة، وترافق أحدنا، كأنه داخل فيلم رعب لا نهاية له.
انقسم المعرض في عدة محاور: الشباب، الاندماج مع الزمن، التناسق، الإيقاع، غرينوالد، السنوات المعاصرة.

في قسم الشباب، تُعرض اللوحات التي تمثل طفولة فلاديمير فيلكوفيتش، حين كان شاهداً على عنف الجيش الألماني ضد الشعب اليوغسلافي، المزج بين العذاب والموت، هو السائد على لوحاته: الطيور الميتة، جثة طفل، الغراب قرب الجثث.. حيث يحوّل الرسام الموت، إلى أمر اعتيادي. في قسم الزمن، تبدو الجثث منتشرة بكثرة، جثث مقطّعة ومرمية، وهكذا تبدو لوحات قسم التناسق (الهارموني)، وخاصة في لوحة (خبرة فنية) المرسومة سنة 1974، والتي تظهر فيها تفاصيل جثث حيوانات مقترنة بمقصّات عبر اللونين الأبيض والأسود فقط، وتُسبب الخوف لناظرها.

أما أهم أقسام المعرض، ربما يكون ذلك المكرّس لماتياس غرينوالد، الرسام الألماني المولود سنة 1475، والذي يُعدّ أحد أبرز ممثلي عصر النهضة الألمانية. حيث تتقاطع لوحة (الرجل المصلوب) لفيلكوفيتش مع أعمال غرينوالد وأهمها (صلب المسيح)، لكن الرسام اليوغسلافي، يقدم المسيح في لوحته عاري الرأس، دون إكليل الشوك، بل يبدو حياً مستمراً في الألم.
تلفت النظر بشدة، تلك الشريطة الحمراء التي عُقدت بيد الرجل المصلوب، لترمز إلى التعذيب المعاصر، وتذكّرنا كيفما جُلنا في المعرض، بتفاصيل أيدي المصلوبين، وجثث لا تزال آثار القيود تحزّ معصم أيديها، لتنقلنا، دون جهد في التخييل، إلى مشاهد جثث السوريين العراة، الذين تبدو آثار التعذيب على أجسادهم، والبقع الراسخة على الوجوه، وآثار التعذيب، قبل الموت، ليشعر أحدنا كأن العذاب هو حلقة مستمرة، استلهم فلاديمير فليكوفيتش بعضها من غرينوالد، ومزجها مع مشاهداته في الحرب اليوغسلافية الدامية، لتقودنا اليوم، إلى ما يقع في سورية، من قتل ودمار واستمرار في “صلب” الشعب السوري .

الفن أريكة من الشوك

هذه العبارة يستخدمها تقرير قدمه التلفزيون الفرنسي، مكرراً استعمال فيلكوفيتش ذاته لتعريفه للفن.
هكذا، سوف يخرج المشاهد من المعرض، وآثار خدوش الفنان على روحه وعقله، إذ لن يترك حضور المعرض أحدنا دون أن يهزّه بقوة، دون أن يسكن في مخيلته لأيام، ليطرق أعماقه، وينخر فيه، ويحفر، كما تفعل تلك الغربان في الجثث.

الغربان، شركاء الرسام في العمل، حيث تنتشر في أنحاء المرسم، وحيث يضع جثة غراب في أعلى سلّم الرسم، كأنه يستوحي منه التعذيب والألم، بل كأنه يتذكر ويرى ويشم رائحة الدم العالقة في جسد الغراب. يتواجد الغربان في مرسم فلاديمير، كأنها أحد مصادر الإلهام (يتواجد الغراب في عدة نماذج في مرسمي، الغراب الذي أستخدمه “كموديل” وباعتباره رمزاً للشر، وهو يتأقلم مع مواضيعي، ومع تيماتي).
مات فيلكوفيتش في العام الفائت، دون أن يغادر الهلع والتعذيب مواضيعه، وهو يُعتبر، مع دادو وليوبا بوبوفيتش، أحد أهم الرسامين اليوغسلاف، حيث يتم الربط بين معرضة في غاليري دراجون في باريس سنة 1967 مع حركة التصوير الروائي.
مثّل فيلكوفيتش يوغسلافيا في معرض البندقية سنة 1972، وكان مديراً لورشة العمل في المدرسة العليا للفنون منذ سنة 1983، وفي سنة 2006 اُنتخب في أكاديمية الفنون الجميلة في باريس.
من المعروف أن هتلر هاجم يوغسلافيا في الحرب العالمية الثانية سنة 1941، وكان مصمماً على تدميرها، ثم عرفت يوغسلافيا حروباً جديدة بين السنوات 1991ـ 1995 اُعتبرت من أعنف الحروب في أوروبا، بعد الحرب العالمية الثانية.

مات فيلكوفيتش عاجزاً عن الخروج من تيماته القاسية، بل أسس مدرسة متميزة وخاصة به، ليُشهد العالم على جرائم الإنسان ضد الإنسان، أمضى قرابة ستين عاماً في الرسم ليشعر دائماً أن دوره شاق، وأن مهمته لن تنتهي في كشف الشر، ويبقى السؤال الحديث والطازج اليوم، كم يحتاج السوريون من سنوات قادمة، حتى يبرهنوا للعالم عن الجرائم المُرتكبة بحقهم، وكم من السنوات، على البشرية أن تنتظر، ليتخلّص أطفال سورية من ذاكرة الحرب، حيث مات فيلكوفيتش، حاملاً معه صور الجثث والخراب، كأن ذلك الدمار الذي يحدث في داخل الإنسان، لا يمكن مغادرته على الإطلاق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.