الجهات التسع

مسرحية “الاغتصاب”.. عرضٌ تراجيدي عنيف من دون وقفاتٍ تأملية

لا حقَّ للعقل، هكذا نحنُ مع غرائز يحرِّكها تعصُّبٌ عقائدي – معتقدي مُتحجِّر: إسرائيل أو لا أحد. وكلُّ انشقاق عنها، أو انقلاب عليها، يعني أنْ يُقتلَ؛ يُبادَ، وليس يُغتصب، وإن كان الاغتصابُ هو ما يبرزه سعد الله ونوس (1941 – 1997) في مسرحيته هذه التي كتبها عام 1989، مستوحياً موضوعها من مسرحية للإسباني أنطونيو بويرو باييخو بعنوان “الحياة المزدوجة للطبيب فالمي” عام 1964، التي اشتغل عليه طلاَّب جامعة “المنارة” في اللاذقية مشروع تخرجهم؛ من إعداد الممثِّل والمُخرج فايز قزق.
قاعة فارغةٌ بجدرانٍ من ستائر سوداء، خالية من الديكور، كأنَّها غرفة تحقيق، غرفة إعدام؛ ليس فيها سوى طاولة وكرسيين، يفلتُ فيها المخرج فايز قزق حيوانات جهنمية، وحوشاً ضارية؛ سواءً تلك التي عذَّبت الأسير الفلسطيني إسماعيل، واغتصبت أمام عينيه زوجته دلال، ومزَّقت بالشفرة فرجها؛ سيقانها، أو قطعت حلمة ثديها في عملية تعذيب، وهذا ما فعله إسحاق بنحاس مع مجموعة من زملائه، أو تلك التي اغتصبَت، أو اغتصب فيها الإسرائيلي جدعون زوجة زميله إسحاق في جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي راحيل بنحاس، وقد هتكَ سترها، هتك جسدها كوحش. اغتصابان. يضعنا فايز قزق بين اغتصابين لضحيتين حيتين من دينين سماويين، ومن قوميتين، وأمام جمهور من حقَّه أن يصفِّق أو يستاء وبحسٍّ قومي؛ ولكن إنساني.
فايز قزق، ومعه سعد الله ونوس، ذهبا إلى تعميق الحسِّ الإنساني وإغنائه بعيداً عن التعصُّب القومي، ودون استخدام الكوابيس والسحر؛ ليطلعانا على الطباع المتوحشة عند الإنسان حين يسيّس أفعاله، ومن ثمَّ يعتبرها وكأنَّها أفعالٌ من منبع إلهي. لذا نحن في هذا العرض مع طباع متميِّزة ومتفرِّدة للشخصية الصهيونية، وهي ببالغ الحماسة الأيديولوجية؛ حماسة الكراهية والحقد والانتقام، ولكن بمشاعر تغذيها غرائز حيوانية متوحشة، وليست آهلة. فايز قزق ناسبه كثيراً هذا النص لسعد الله ونوس، فهو يتَّفق مع طبيعة موقفه الفكري والنفسي، وهذا ما دفعه لأن يعكس لنا توتره وقلقه، فلا يسمح للممثلين وهم طلاب في السنة الأخيرة، أي سنة التَخَرُّج: رغد ديب، مها الشيخ، الليث الكحيل، خالد عضيمة، عقيل سليمان، لؤي النوري. ومن السنة الثانية: علي القاضي، علي اليوسف، غادة الطعان، مالك معوض، محمد برهوم. وطلاب من السنة الأولى كساندرا الذياب، عبدالله فتال. وإشراف ريما صقور؛ بأن يقدموا لحظة ضعف، فكانوا يجتهدون لدرجة أنَّهم في بعض المشاهد كانوا يخرجون من جلودهم في أداء اختلط مع اللعب، وكأنَّهم (دمويون) تحقيقاً لنظرية “القوَّة”، وليس الضعف، الذي يرفضه إطلاقاً السيد (مائير)، محاولاً ما أمكن الصدم؛ صدمَ المتفرِّج بالفكر. المسرحية في الأساس هي عملٌ تراجيدي تقوم على الفكرِ الذي يدحضُ الفكرَ، وتجبره على الإذعان والخضوع للقوَّة فيستسلم. هنا، في النص، كما في العرض، عند فايز قزق، نحن مع لولب ديالكتيكي يفرز المادي عن الروحي، ليرينا الفرق بين ضعفنا ووعينا الدوغمائي بمأساتنا الفلسطينية، وبين وعي الصهيونية بقوَّتها في تجيير كل شيء لصالح إقامة دولة إسرائيل.
فايز قزق في “الاغتصاب” لسعد الله ونوس ذهبَ في صورته المستمرَّة؛ صورة تعقب صورة، مشهدٌ يعقب مشهداً، مشهداً من قبل، وراءه مشهدٌ من بعد، وهي ستَّةُ عشر مشهداً كما في النص، إذ تركَ “مائير” يحرِّك الصراع باعتباره البؤرة/ الأب الذي يُحرِّض عناصر جهاز الأمن الإسرائيلي مثل: جدعون، إسحاق، موشي، دافيد، على ارتكاب فعل الاغتصاب، كما الطبيب النفسي “أبراهام منوحين”، الرجل العاقل الذي يريد إيقاف ومنع هذا الاغتصاب، مفسِّراً ومحلِّلاً طبيعة العنف العدواني الصهيوني على الشخصية الفلسطينية، وحتى على الإسرائيلية التي قد تتخاذل، أو تُصاب بوهن، أو عجزٍ، أو عنانة جنسية، أو عقائدية، فيقتلها، وهذا ما تمَّ حين أمر السيد مائير بتصفية إسحاق بنحاس برصاصة، وهو عضو بارز في جهاز الأمن الداخلي، وزوج راحيل التي اغتصبها جدعون. وذلك لإحداث صدمة في الفكر. فايز في هذا التعاقب للصراع التصاعدي كان يعمل على التأثير على جهازنا العصبي الدماغي، كان يجمع الحاضر مع الماضي في “صيرورة” لخلق صدمةٍ تدفعنا إلى التفكير، خاصةً أنَّه يُعلِّمُ طُلاَّباً كيف يدخلون في الحركة الميكانيكية للمسرح، وكيف يخرجون منها إلى الحركة الجدلية، فأجسادهم جميعاً، جميع الممثلين والممثلات كانت، حتى وهي تُجسِّد فعل الهتك؛ هتك الأعضاء الجنسية، سواءً للشخصية الفلسطينية، قتل إسماعيل، ومن ثمَّ اغتصاب زوجته دلال أمام عينيه، وتعذيبها لإجباره على الاعتراف بانتمائه للمقاومة، أو الإسرائيلية راحيل بنحاس في حال الاغتصاب، أو التمهيد والخروج منه؛ كانت أجساداً ترهز من شدَّة العنف الرمزي والتمثيلي نحو تحقيق الذروة المسرحية.
ليسوا “مانيكانات”، بل ممثلون اشتغلوا المسرحية بآلية روحية عالية. التمثيل يعني التنقل لعباً في الحركة: حركة × حركة + تأمُّل = صدمة جمالية – مساحة التأمُّل في العرض كانت ضيِّقة، أو افتقدناها، وإنْ كان فيها جنسٌ ودم. فايز قزق كان حازماً، وكان قاسياً، وهذه ضرورة فكرية لتعميق الصراع الصهيوني العربي فلا يتسطَّح، لنرى وحشية الفكرة الصهيونية وتغولها في إبادة الفلسطينيين. صراعٌ مَعَ مَنْ هو صاحبُ حقٍّ في الأرض والحياة، صراعٌ حتى ينصرع الآخر الذي هو الفلسطيني. لماذا؟
سعد الله ونوس، مؤلِّفاً، وفايز قزق، مُخرجاً، والممثلون، اشتغلوا المسرحية بحسٍّ تراجيدي لإبراز أنَّ الصهيوني كان مدفوعاً للانتقام من العربي انتقاماً دموياً، انتقاماً ليس ثأرياً، بل “اغتصابياً؛ فهم يطالبون بعرشٍ ليس لهم، لإقامة دولةٍ بوليسية، دولة مزيَّفة وشريرة، وهذا ما أكَّده الطبيب الإسرائيلي أبراهام منوحين، الذي كان يحلِّل مرض الصهيونية وهي جالسة على كرسي التربية العلاجية، والتي لا تريد أن تتشافى وتعود إلى طورها (الإنساني)، وهذا ما أثار غضب “مائير” من الطبيب النفسي “منوحين” ومن إسحاق – إسحاق بنحاس الذي يصرخ
ويجرِّم أمَّه سارة بقتل أبيه الموسيقي بتدبير من مائير التي قد تكون على علاقة جنسية معه بصفته إله الفكرة الصهيونية؛ مائير العقلُ المفكِّر الذي يُشكِّل العمق الاستراتيجي لبذرة اغتصاب فلسطين. مائير؛ وفي المَشَاهد التي ظهرَ فيها، وهذا ما حرص على إبرازه فايز قزق، إذ قدَّمه كرجلٍ متوحشٍ آتٍ من الكهوف، يعيش حياةً بدائية رعوية، وهذا يُخالف تحذير سعد الله ونوس الذي جاء في مقدِّمة المسرحية:” وإنِّي أحذِّر هنا من أيِّ ميلٍ لتقديم الشخصيات الإسرائيلية بصورة مضحكة، أو فجَّة، كما أحذِّر من المغالاة، أو من عجز الممثِّل عن ضبط عدائيته للدور الذي يؤدِّيه، إنِّي أريدُ أداءً واعياً ورصيناً”. فايز قزق في إعداده لنص ونوس يقدِّم رؤيته للاغتصاب، قد يخالف رأي المؤلِّف، وقد يتصارع معه، لكن كما صراع الكلمة واللحن، سعياً نحو تحقيق البلاغة المسرحية، وفي عرضٍ تراجيدي عنيف ومثير، ولكن دون وقفاتٍ تأملية رغم امتلاء النص بأنساقٍ فكرية عالية النفير لتحقيق مجد الإنسان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.