الجهات التسع

معرض استثنائي لأعمال حفيد السلطان محمد رشاد

قلة قليلة فقط سمعت بالفنان والأمير التركي، عمر فوزي أفندي، قبل افتتاح معرضه الاستثنائي منتصف شهر فبراير/ شباط في المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، برعاية سفير جمهورية تركيا، إسماعيل أراماز، وحضور الأمير عاصم بن نايف، ابن شقيقة الفنان، وزوجته، الأميرة سناء عاصم.
وبخلاف مواطنيه التركيين، اللذين عاشا في الأردن، وتوفيا فيها، وأقصد هنا الفنان ضياء الدين سليمان (1880 – 1954)، الذي يعد من أوائل الفنانين التشكيليين الممارسين في الأردن، والأميرة فخر النساء زيد (1901 – 1991)، التي حققت شهرة عالمية، فإن الفنان والأمير، عمر فوزي أفندي، لم يحظ بشهرتهما، بل ظلت أعماله مجهولة، إلى أن تم عرضها لأول مرة في المعرض الذي جاء في سياق “عام التبادل الثقافي بين الأردن وتركيا”، والذي سيعاد عرضه ثانية في مدينة إسطنبول في وقت لاحق من هذا العام.
والمفاجأة في معرض الفنان الأمير “المجهول”، عمر فوزي أفندي، أنه أحد أحفاد السلطان محمد الخامس رشاد، ابن السلطان عبدالحميد الثاني، وهو أيضاً الابن السادس للأمير محمد ضياء الدين، الذي كان آخر السلاطين العثمانيين. وقد ولد وفي “فمه ملعقة من ذهب” يوم 13 أكتوبر/ تشرين الأول 1914، في قصر حيدر باشا في إسطنبول. غير أن اندلاع الحرب العالمية الأولى، وهزيمة الإمبراطورية العثمانية فيها، وانهيارها، نقله مع أسرته من حياة القصور إلى المنافي، ومن ثم إلى ممارسة حياة بوهيمية استمرت معه حتى وفاته.
ومن السطور القليلة لسيرة الأمير، عمر فوزي أفندي، التي يتوافر عليها كتيب المعرض الذي بادر إلى تنظيمه معهد يونس إمرة في عمان، فإن عمر فوزي تلقى دروسه الأولى في الرسم في العاصمة المصرية، القاهرة، التي كانت أسرته قد انتقلت إليها بعيد الحرب العالمية الأولى، ومن ثم التحق، وهو في سن التاسعة عشرة، بكلية الفنون الجميلة البوزار (Bouzar) في باريس، حيث أكمل هناك دراسته للفنون.
والمدة التي قضاها الفنان والأمير التركي في العاصمة الفرنسية غير معروفة. لكن المعلومات القليلة المنشورة عنه تشير إلى أنه أقام خلال إقامته الباريسية العديد من الصداقات القوية مع الفنانين المعاصرين له في ذلك الوقت، وتشير بشكل خاص إلى صداقته مع سلفادور دالي، وبيكاسو، حيث كان يلتقيهما في مقهى “de vloer” الشهير في باريس، ويتبادل معهما، ومع غيرهما من الفنانين، العديد من النقاشات الجادة، وكذلك النكات والمشاحنات.

لا يعرف كثير عن حياته بعد دراسته للفنون في باريس، باستثناء إقامته لمعرضه الشخصي الأول في العاصمة المصرية، سنة 1950. غير أنه أقام في الأردن لفترة طويلة جداً، حيث التحق على ما يبدو بشقيقته المتزوجة من الأمير نايف. توفي الفنان في عمان في 24 إبريل / نيسان 1986، ودفن في مقبرة العائلة المعروفة باسم مرقد السلطان محمد رشاد، إلى جانب جثمان شقيقته مهريماه سلطان.
وبالعودة إلى أعمال المعرض التي كانت محفوظة لدى الأميرين علي وعاصم بن نايف، نجد أنها تضم عدة فئات من الأعمال التي رسمت بدورها في مراحل مختلفة من حياته. فهناك أعماله التي أنجزها على الأرجح خلال دراسته للفن في فرنسا، حيث تتراوح ما بين المدرستين الواقعية والسريالية، حين كانت الأخيرة رائجة بقوة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى. لكن بينما أظهرت لوحاته المنفذة بالألوان الزيتية، وبأسلوب واقعي، قدراً أكبر من المتانة التقنية فإن أعماله ذات الروح السريالية تبدو أقرب إلى الاستلهامات الأدبية، مع درجة ما من الركاكة الفنية. على أن اللافت في أعماله السريالية أنها تبدو كما لو أنها تجسيد لأحلام وكوابيس عاشها الفنان، فهي أقرب إلى الخيالات المرسلة و”المنامات” منها إلى الرسم المفكر به مسبقاً، أو الذي ينطوي على رسالة ما.
وإلى جانب الموضوعات الميثولوجية والمنفذة بروح سريالية، التي احتلت الحيز الأكبر من المعرض، جاءت البورتريهات، أو رسوم الأشخاص في المكانة الثانية، سواء في مرحلته الباريسية، أو إبان إقامته المديدة في الأردن. أما المشاهد الطبيعية المنفذة بأسلوب أقرب إلى الانطباعية، (ويعود معظمها لمشاهد باريسية)، فقد احتلت مكانة أقل أهمية، فيما اقتصرت الطبيعة الصامتة على عمل وحيد تحت عنوان “مزهرية”.

هذا بالنسبة إلى أعماله الزيتية المنفذة على القماش، أما بالنسبة لأعماله الورقية المنفذة بالأحبار، فإنها تتوزع على مجموعتين رئيسيتين، تتطرق الأولى إلى موضوعات أسطورية، وهي على ما يبدو نتاج مرحلة متأخرة في حياة الفنان (الأعمال تعود إلى السبعينيات من القرن الماضي)، وهي منفذة بأسلوب أكاديمي، وبروحية سريالية تكشف عن ثقافة عالية. أما المجموعة الثانية من الورقيات فتضم تخطيطات بالحبر لمشاهد اجتماعية من مدينة العقبة الأردنية، وتبوك السعودية، ومنفذة بأسلوب واقعي وتهكمي، وهي أقرب ما تكون إلى الرسم الصحفي.
أخيراً، ضم المعرض ثلاثة بورتريهات شخصية لأفراد من العائلة الهاشمية، الأولى للملك عبدالله الأول، فيما الثاني والثالث للأمير علي بن نايف، ابن شقيقة الفنان، وجميعها منفذة بالألوان الزيتية على القماش.
يبقى أن نشير إلى أن أعمال الفنان الأمير عمر فوزي أفندي، التي يكشف النقاب عنها لأول مرة في معرض استعادي نادر، كانت تستحق عناية أكبر من التوثيق، سواء من حيث تاريخ ومكان تنفيذها، بل وقياساتها، كما كان يجدر أن يتم إعداد سيرة ضافية عن حياته، تستند إلى استقصاءات تاريخية ومقابلات مع الأشخاص الذين زاملوه، أو عرفوه، في مراحل مختلفة من حياته. ففي حالات مشابهة، حين يقام معرض يكشف عن فنان أُهمل طويلاً، كما هو حال عمر فوزي أفندي، يفترض أن يرافقه صدور كتاب يضم أعماله وسيرة حياته، وليس مجرد كراس متواضع الطباعة والتوثيق، يحمل تواقيع ثلاث جهات معتبرة، هي معهد يونس إمرة (المعهد الثقافي التركي بعمان)، والمتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، وسفارة الجمهورية التركية في عمان!!
على أن مجرد عرض أعمال الأمير الفنان، عمر فوزي أفندي، والتي ظلت محجوبة عن الأنظار لفترة طويلة، يشكل مقدمة جيدة للتعرف أكثر على هذا الفنان الموصوف “بالبوهيمية”، وربما للكشف مستقبلاً عن أعمال أخرى له، وتفاصيل أكثر عن حياته المجهولة ما بين باريس والقاهرة وعمان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.