الجهات التسع

من تجليات جاري – محمود الرحبي

في صباح يوم جمعة يصعب نسيانه، رأيته في ساحل “السيب” يرفع سمكة كبيرة من ذيلها. كان متوترا وهو يبحث عن سيارة أجرة؛ جبينه المعروق مقطب ورقبته لا تتوقف عن الدوران. اقترحت عليه أن أوصله، فرجاني أن أسرع كي لا تُفسد الحرارة سمكته. طلب مني كذلك إشعال إشارات الخطر. وحين وصلنا، وهمّ بالنزول تمتم، بنبرة من يكلم نفسه:
– الحرارة لا تُحتمل، في المرة المقبلة سأطلب سيارة إسعاف لإيصال السمك سالما إلى البيت!
وذات صباح استوقفني ليسرد لي آخر أحلامه: بيت قديم به فناء بلا سقف، ووسط الفناء زُرعت شجرة “بيذام” علقت على غصنها جرة فخارية، تندى فيقطر ماؤها على جبهته وهو نائم فوق حصيرة مضفورة من سعف النخيل. ثم استيقظ – في الحلم – على نقر القطرات.. انتهى من سرد حلمه، وبدأت أشق طريقي إلى الدوام..
جاري، الذي يقول إنه رأى كل بلدان العالم ومدنه، رغم أنه لم يسافر في حياته سوى مرتين؛ اﻷولى إلى القاهرة، في الثمانينات، لمرافقة عمه الذي ذهب ليتسجل في ثانوية اﻷزهر الشريف، والثانية بعد حوالي ثلاثين عاما من اﻷولى، وكانت إلى مدينة “مدراس” في الهند لمرافقة العم نفسه للعلاج.
وذات مساء، كشف لي سره المتعلق بزيارة مدن العالم، بعدما أخذني إلى خلاء خلف البيوت. وفي لحظة بين الصمت والترقب، سألني:

– إلى أي بلد تود أن تسافر؟

– إلى نيوزيلاندا.

– أي جهة في نيوزيلاندا؟

– كرايستشيرش.

ثم رسم خطا على اﻷرض وطلب مني اقتحامه. وبعد أن تبعني رافعا إحدى رجليه، تقرفص وأخرج هاتفه من جيبه وفتحه.. وإن هي إلا لحظات حتى كانت الصور والمناظر تتهاطل حية وصامتة تحت أعيننا.
– العالم كله في جيبي!
قالها وهو يربت ضاحكا على جيبه، حيث أخفى هاتفه إثر جولة قمنا بها بين حدائق وشواطئ ومتاحف وأسواق رأينا فيها بيوتا تجري من تحتها اﻷنهار وورودا في حجم التفاح.. اقتحمنا، بعد ذلك، خط العودة، الذي رسمه برجله على اﻷرض، ثم قفلنا راجعين، منتشيين في سكر بما رأينا.
وذات مساء، لمحته وقد بدا مثل طفل في سنواته الأولى. كان ذاهبا إلى مدرسة ويقود امرأة معمّرة ويتأبط كتبا ودفاتر. وحين اقتربت منه سألته عن مقصده، فقال:

– نحو اﻷمية!

وأثناء عودته وحيدا، قال لي:

– هذه أمي الثانية! تزوجها أبي بعد أن طلق أمي، وكانت شرسة، تضربني وترفض أن أناديها بأمي. ولكنْ بعد أن مات أبي نشأ العطف بيننا، فصارت لا تناديني إلا بابني. والآن، تستبدّ بها رغبة وحيدة هي قراءة القرآن بنفسها، فالتحقت ببرامج محو الأمية التي تقيمها المدارس في المساء. وتطلب مني كل يوم أن آخذها إلى “نحو الأمية” كما تسميها.

*قاص عُماني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.