الجهات التسع

“يافا أم الغريب”.. شهادات تشهق أسى

بإيقاع هادئ، وتسلسل كلاسيكيٍّ منطقيٍّ سلس، يصعد بنا المخرج الفلسطينيُّ المقدسيُّ رائد دزدار في فيلمه الوثائقي “يافا أم الغريب”، نحو مآلات مدينة فلسطينية منكوبة باحتلال بغيض.
يستهل دزدار صاحب سلسلة وثائقية ترصد الشأن الفلسطيني، وتلقي ضوءاً شفيفاً على ضفافه، فيلمه بمقدمة تقليدية مدرسية، يمرّ المعلق خلالها على تاريخ يافا، وصولاً إلى نكبتها بوصفها جزءاً من نكبة فلسطين في العام 1948:
“يافا عروس فلسطين وكنيتها (أم الغريب). أكبر مدن فلسطين وأجملها. تعد نافذة البلاد على البحر الأبيض المتوسط. كانت تلعب دوراً كبيراً في ربط فلسطين بالعالم الخارجي، من حيث وقوعها كمحطة رئيسية تتلاقى فيها بضائع الشرق والغرب. ميناؤها هو ميناء فلسطين الأول. تقع على الجنوب من مصب نهر العوجا على بعد ستة كيلومترات، وإلى الغرب من مدينة القدس على بعد 60 كيومتراً. كلمة يافا هي تحريف لكلمة يافي الكنعانية وتعني الجميلة.
“يشكل تاريخ يافا تصويراً لتاريخ فلسطين عبر العصور، وهو يمتد إلى أربعة آلاف سنة قبل الميلاد. بناها الكنعانيون وغزاها الفراعنة والآشوريون والبابليون والفرس واليونان والرومان. وخضعت للممالك الإسلامية جميعها، ولم تسلم يافا، إلى ذلك، من الغزو النابليونيّ لفلسطين في العام 1799، حيث ارتكبت بحقها مجزرة بشعة. بعد غزو نابليون بدأت المدينة تتعافى، خصوصاً بعد تولي (أبو نبوت) حكم المدينة، الذي أعاد لها الهدوء والطمأنينة. ومنذ مطلع القرن التاسع عشر، تبلورت معالم يافا الاقتصادية في محورين رئيسيين: الميناء بوصفه معبراً لفلسطين، والمحور الثاني تجارة الحمضيات وتحديداً البرتقال على وجه الخصوص، الذي لعب دوراً رئيسياً في تشكيل اقتصاد المدينة وتطورها.
“في عام 1917، وقعت يافا تحت الاحتلال البريطاني، ومن ثم الانتداب البريطاني الغاشم. وقبل نكبة فلسطين عام 1948، كانت يافا مركزاً مهماً للنشاط الثقافي والأدبي في فلسطين، وكانت، أيضاً، مركزاً متقدماً في الصناعة والزراعة والتجارة. وبعد سقوط المدينة واقتحام العصابات الصهيونية لها وتهجير معظم سكانها، عمد المحتل على سرقة ممتلكات المدينة كافة، إضافة إلى تدمير معظم أحيائها. هذه قصة مدينة يافا يرويها أبناؤها، ويعيدون بناء مدينتهم من خلال ذاكرتهم الحيّة وشهاداتهم الشفوية”.
بعد هذه المقدمة التي أخذت ثلاث دقائق ونصف الدقيقة من مجموع دقائق الفيلم البالغة زهاء 70 دقيقة، تبدأ سلسلة شهادات حيّة تقدمها للفيلم شخصيات يافية ولدت هناك وعاشت جزءاً من طفولتها وصباها (وبعضها شبابها) في يافا (أم الغريب)، قبل رحيلها عنها مرغمين، تسكنها الحسرة على مدينة جميلة، وتتنفس جوارحها لحظات وجدانية عاشتها هناك، لحظات محفورة في الذاكرة، لا تبرحها، وتستعصي على خلايا نسيانها.
يتنوّع مقدمو هذه الشهادات بين رجال أعمال ومربين وكتّاب وإعلاميين ومؤرخين وموظفين عامين وفنانين وفنانات ورواد في مهن معينة. كما يمثلون معظم العائلات اليافية المسلمة والمسيحية التي كانت تتوزع أحياء يافا، وصنعت لها أيام العز مساحة مهمة من الحضور والمشاركة في زهو المدينة أيام زهوها ورفاهها ورقيّ شوارعها وسعة تلك الشوارع وحسن تنظيمها وحسن استفادتها من تجارة الحمضيات على وجه الخصوص، وتقدمها وتطورها، إلى ذلك، في عدد من الصناعات (عشرات المصانع كانت موجودة هناك)، إضافة إلى ما حققته أيامها على صعيد التجارة (تجارة مال القبان على سبيل المثال) والموضة ومحلات الملابس والذهب والصياغة والهدايا والقرطاسية والتحف الشرقية (الأفغاني على سبيل المثال). والرسوخ المدينيّ الذي تمثل على شكل وسائل مواصلات حديثة وحافلات كانت تصل إلى باقي المدن الفلسطينية وبيروت وعواصم أخرى، كما تمثّل على شكل صحف ومطبوعات وإذاعة (الشرق الأدنى)، وانتخابات بلدية وأندية رياضية (كان هناك حتى نادي للتنس، كما أن الملاكم اليافي أديب الدسوقي هزم الملاكم المصري محمد فرج وأصبح بطل الشرق الأوسط في وزنه)، ومدارس حديثة حكومية وأهلية، ومسارح (وقف عليها كبار فناني مصر ولبنان وباقي الدول العربية في ذلك الزمان: يوسف وهبي ونجيب الريحاني وأم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش وأسمهان ومحمد عبده وغيرهم) ودور سينما (سبع دور سينما على الأقل) وأسواق مزدهرة، وحدائق عامة، وساحة ساعة، ومواسم سنوية (موسم النبي روبين على سبيل المثال)، ومطاعم ومتنزهات وفنادق (فندق الكونتيننتال على سبيل المثال)، وأماكن سهر ومقاهي وملاهي.
ضيوف الفيلم بحسب ترتيب ظهورهم في الشريط الذي شارك قبل ثلاثة أشهر في الدورة 35 من مهرجان الاسكندرية السينمائي: تحسين الكريدلي، أنطون خوري، صلاح الدباغ، أبو نزار أبو شحادة، أحمد أنور السقا، الفنانة التشكيلية تمام الأكحل، سهام الدباغ، ازدهار الفرخ، فؤاد شحادة (أقدم محامي في العالم بحسب ما يرد في سياق التعريف به)، فيوليت موسى ناصر (معلمة في يافا قبل النكبة)، د. محمد أبو لغد، زكي النورسي، طاهر القليوبي، د. سليم تماري، خير الدين أبو الجبين (عمل مراسلاً لجريدة الدفاع قبل النكبة وكبير مراقبي الصحف العربية)، يوسف نفاع (موظف في جريدة فلسطين قبل النكبة)، علي الدرهلي، خالد عبد الرؤوف البيطار، علي الميناوي، الباحث الموسيقي إلياس سحاب، د. نبيل رملاوي، كامل قسطندي (مذيع في إذاعة الشرق الأدنى قبل النكبة) وزينب ساق الله.

أخذت زراعة الحمضيات (البرتقال على وجه الخصوص) والصناعات المرتبطة بهذا الحقل الاستثماري المهم، مساحة وافرة داخل تفاصيل الفيلم، فيافا أيام عزّها حققت ازدهاراً لافتاً من خلال تصديرالبرتقال إلى مدن غرب البحر الأبيض المتوسط؛ ومما يرد في الفيلم أن عدد حبات البرتقال التي كانت تصدر من يافا وصل في ثلاثينيات القرن الماضي على سبيل المثال، إلى حوالي 400 مليون حبة يحملها خمسة ملايين صندوق خشب، وأن تلك التجارة تفوّقت على تجارة النفط في عدد من الدول العربية آنذاك ومنها العراق على سبيل المثال، وأن حوالي 30 مهنة كانت ترتبط ارتباطاً مباشراً أو غير مباشر بزراعة البرتقال والاتجار به (قصاصّون وحمّالون ونقيدة ولفيفة واستيفادور (ستّيفة البرتقال) وعينيون (حمّالو الصناديق) ونجارون ونقّاشون وحفارو ماركات وأمناء عنابر وأصحاب مصانع ورق وبحارون وسائقو لانشات ومهن أخرى)، كما شكّلت بعض أنواعه (الشموطي مثلاً) ماركة عالمية تروّج لها عارضات عالميات، ويتسابق المستوردون على حصصهم من تلك الأصناف فائقة الجودة. موسم البرتقال بحسب شهود الفيلم، كان يمتد من بدايات كانون الأول/ديسمبر ويستمر حتى نهايات شباط/فبراير، ويأتي من أجل الاستفادة منه عمال من بلدان عربية عديدة إضافة للعمالة المحلية، بحيث كان يصل عدد العمال خلال الموسم إلى حوالي 100 ألف عامل من سورية ولبنان وحوران وغيرها.
الفيلم، إلى ذلك، يلقي ضوءاً ساطعاً على ما أنجزه اليافي صبري الشريف، سواء في إذاعة الشرق الأدنى، أو لاحقاً بعد النكبة، من خلال ما حققه مع الرحابنة، فهو بحسب ما يروي المؤرخ الموسيقي إلياس سحاب في الفيلم (وهو بالمناسبة شقيق الموسيقار سليم سحاب مايسترو الفرقة القومية للموسيقي العربية بدار الأوبرا المصرية)، المسهم الرئيسي إلى جوار حليم الرومي في بلورة رؤية موسيقية ناجحة عند الرحابنة الذين كان لديهم رؤيا (حلم)، ولم يكن لديهم رؤية (وجهة نظر قادرة على إقناع البيروتيين المتمدنين بسماع فيروز). وبالتالي، صبَّ منجزه، كما يقول سحاب، “في أساس النهضة الموسيقية الكبرى في لبنان”.
بروح كوميدية، كان يحتاجها شريط دزدار لتخفيف محموله من الأسى، يروي الفيلم، على سبيل المثال، لماذا سُمِّيَ مقهى من مقاهي يافا باسم (قهوة التيوس).

يصعد بنا المخرج الفلسطينيُّ المقدسيُّ رائد دزدار في فيلمه الوثائقي “يافا أم الغريب” نحو مآلات مدينة فلسطينية منكوبة باحتلال بغيض

وشكّل الباحث سامي أبو شحادة المقيم في يافا حالياً رابط الإطار في الفيلم، والراوي الثاني الذي يظهر صوتاً وصورة، إضافة للراوي الذي يظهر صوتاً فقط. ومن 120 ألف نسمة عدد سكان يافا قبل النكبة، بقي فيها، بعد الهجرة الكبرى، بحسب أبو شحادة، ثلاثة آلاف وتسعمائة نسمة فقط، بعضهم بقي بالمصادفة البحتة: وصل للميناء ولم يستطع ركوب سفينة من سفن الرحيل، بعضهم أصيب أحد أقاربه ومكث معه في المستشفى، وهناك أطفال ضاعوا، والذين بقوا تعامل معهم الصهاينة بوصفهم أعداء. في سياق متصل يتحدث الباحث عن الحجم المهول من السرقة والقتل والنهب الذي تعرضت له يافا بعد احتلالها، وهو ما يؤكده الشهود من خلال شهاداتهم. بعض الممتلكات الثمينة شحنت إلى نيويورك، وأقيمت لأجلها المزادات الضخمة، وبما شكّل نواة رأسمال دولة الاحتلال.
أما أكثر شهادات الفيلم في نهاياته والوصول إلى لحظة النكبة تأثيراً، فكانت شهادة سهام الدباغ التي كانت تحدثت في بداية شهادتها حول تلك اللحظة أن والدها أجلَّ ركوب البحر مرتين بسبب هياجه وإعادته لأسرتها في المرّتين نحو شط يافا، تقول سهام: “أنا نزلت على البحر وصفنت وسألته هل تتذكرني؟ فقال لي نعم أتذكرك وأنا زعلان منك. فسألته لماذا؟ فرد قائلاً: أنا هجتُ مرّتين عشان ما تطلعوا من يافا وما تتركوني”.
شاهد آخر (زكي النورسي) يقول في نهاية الفيلم: “يافا لا تغيب عن ذاكرتي وعن مخيلتي. أشعر أن كرامتي موجودة هناك”. ثم يورد بيت شعر نظتمه شقيقته: “إن لم أعد يافا ومتُّ غريبةً ستعود روحي كي تنال حقوقها”. ثم يختم مردفاً: “ستعود روحي يوماً ما إلى يافا”، ليختارها رائد دزدار نهاية للفيلم بشهوده ومشاهده وأنّات الجرح فيه.
صعود كلاسيكيٌّ بعيد عن التذاكي وعن التشاطر، واصله المخرج من أول الفيلم، متسلسلاً بأقسامه، من المقدمة، نحو بداية تلمس ملامح المدينة عبر شهود فيلمه ممن ولدوا فيها وأقاموا هناك زمناً قبل خروجهم منكوبين. بموسيقى هادئة بمعظم مراحل الفيلم، بزوايا نظر وعين كاميرا واضحةٍ مُباشِرة، باستخدام الوثائق وقصاصات الصحف والوثائق والإعلانات والمشاهد الفيلمية القديمة في مكانها وزمانها الصحيح المناسب، بالتنقل السريع غير المطيل بين شاهد وآخر وشاهدة وأخرى.

“صعود كلاسيكيٌّ بعيد عن التذاكي وعن التشاطر، واصله المخرج من أول الفيلم، متسلسلاً بأقسامه، من المقدمة، نحو بداية تلمس ملامح المدينة عبر شهود فيلمه ممن ولدوا فيها وأقاموا هناك زمناً قبل خروجهم منكوبين”
ثمة ملاحظة أخيرة، فمن يتابع تفاصيل الفيلم، يتبدّى له أن المخرج يوجه إدانة (أو ما يشبه الإدانة)، لإضراب عام 1936، باتهام هذا الإضراب الشهير الذي استمر لستة أشهر متواصلة احتجاجاً على سياسات الانتداب البريطاني، أنه شلَّ الحركة التجارية في يافا، وأنه أتاح الفرصة لليهود أن يملأوا الفراغات التي أحدثها الإضراب!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.