الجهات التسع

“1917”.. معايشة ألم الحرب بأثر رجعي

فتح المخرج البريطاني سام مندز من خلال فيلمه الجديد “1917”، نقاشا عالميا حول المستويات الجمالية غير المألوفة في عمله، شكّلت فيها كاميرا روجر ديكنز دورا محوريا بعد أن خرج عن النمطية المعهودة التي تعوّدت عليها تقنية التصوير، وخلق بها فضاء بصريا رفع من المستوى الجمالي في الفيلم، وفي نفس الوقت قزّم دور المونتير أو أزاحه بشكل نهائي، بعد أن اعتمد على تقنية “اللقطة الممتدة”. وهذا الخيار الأسلوبي للمخرج ما كان ليتجسد لولا قدرته الكبيرة في التنسيق والتحضير الجيد، لأن أي خطأ من المصور أو الممثل أو جموع الكومبارس أو خبراء التفجير وباقي فريق العمل، كان ليكلف جهة الإنتاج فاتورة ووقتاً إضافيين. ولأن منطلق المخرج أن يكون عمله عبارة عن لقطة واحدة ممتدة، وفقط يلجأ إلى بعض القطع في منعرجات ضرورية، لكنها غير محسوسة بالنسبة للمشاهد العادي الذي لا يمكن أن يكتشفها بسهولة، والمختص أو الملاحظ الجيد من يمكنه الوقوف عليها، فقد رفع المخرج من مستوى التدريب الجيد لفريق الفيلم الذي استمر لمدة (6 أشهر)، من أجل تصوير ساعة و59 دقيقة وهي المدة الزمنية للفيلم.
وحسب ما وقفنا عليه في الفيلم فإن اللقطة الأولى الممتدة استغرقت حوالي 28 دقيقة، أي من بداية الفيلم إلى غاية التفجير في أحد مخابئ أنفاق العدو، وقد أُرغم المُخرج على التوقف في هذا التوقيت لضرورات فرضها المكياج بعد التفجير الذي حدث، إذ وحسب ما يمليه السيناريو الذي كتبه المخرج بالشراكة مع كريستي ويلسون، يستخرج الجندي وليم سوكفيلد (أدى الدور جورج مكاي) زميله العريف بليك (دين تشارلز تشابمان) من تحت الأنقاض، لتستمر بعده لقطات أخرى ممتدة، لم تتوقف إلا في الحالات الضرورية.

فيلم “اللقطة” الممتدة لم يبدأ مع المخرج سام مندز، بل سبقه العديد من المخرجين من أزمنة مختلفة، أهمهم ألفريد هتشكوك الذي حلم بأن ينجز فيلما بهذا الشكل، وذلك في فيلم “حبل” الذي أنجزه سنة 1948، غير أن التقنية خانته، بحكم أن بكرة التصوير 35 ملم محددة التوقيت بحكم الحجم، وهذا ما حتّم عليه اللجوء إلى حيل لتجاوز هذه المعضلة. كما أن هناك تجارب حديثة، جسدها المخرج المكسيكي أليخاندرو إيناريتو في فيلم “الرجل الطير”، لكن سام مندز في فيلم “1917” لم يكن عمله الإخراجي تحديا تقنيا بقدر ما كان حركة أسلوبية حتّمتها قصة الفيلم، وفي نفس الوقت حيلة صنع به دعاية كبيرة، بحكم أن الجمهور لم يعد يملك الرغبة في مشاهدة أفلام مكررة، إذ أن التساؤل الذي سيدور في ذهنه – أي الجمهور- في حالة سمع خبرا عن إخراج فيلم حربي، هو: “ما الذي سيضيفه فيلم حربي جديد مقابل ما تم إنجازه؟”، لكن المخرج تميّز على ما تم إخراجه من خلاله لقطاته الممتدة التي صنعت له الدعاية المناسبة، ما جعل الجمهور يكتشف ما تم إنجازه.

مآسي الحرب ودموعها

افتتح الفيلم بعبارة توضيحية تظهر التاريخ الذي وقعت فيه الأحداث، وهو 6 أبريل/نيسان 1917، وعند البحث عن الوقائع التي لها صلة بالحرب العالمية الأولى ومرتبطة بالتاريخ المذكور، سنجد بأنها تتوافق وإعلان الولايات المتحدة الأميركية الحرب على ألمانيا، وفي نفس الوقت هي من الأيام التي سبقت العديد من المناوشات بين جيوش الحلفاء ومن بينهم بريطانيا في مواجهة دول المركز في شمال فرنسا، أين كانت المواجهات على أراض موحلة وباردة وقاسية، ونقل مندز في هذا الفيلم أحداثا غير رسمية عن طريق حفيد أحد الشهود الذي كان مجندا في أحد الفيالق التي كانت قريبة من خط هيندنبيرغ.تم تكليف العريف بليك وزميله الجندي سوكفيلد بمهمة إيصال رسالة مستعجلة إلى أحد الفيالق التي تبعد عنهم حوالي 5 كيلومترات، تفيد بضرورة إلغاء الهجوم على الجيش الألماني، بحكم أن الأخير انسحب من خطوطه الدفاعية لجرهم إلى فخ، ومن المحتمل أن يتم إبادة 1600 جندي بريطاني إن لم تصل الرسالة في وقتها، وقد تمت الاستعانة بالعريف بليك ظاهريا بحجة أنه خبير في قراءة الخرائط، لكن السبب الحقيقي هو أن أخاه الأكبر جوزيف بليك (ريتشارد مادن) كان من بين هؤلاء، ومن هنا تُشحن هذه المهمة العسكرية بدافع أسري، وعندما سأل العريف بليك الجنرال إيرنمور (كولين فيرث) الذي أصدر له الأمر إن كان سينفذ هذه المهمة مع زميله فقط أو هل هناك من جنود آخرين؟ كان رد الجنرال من خلال قول مأثور “هبوطاً إلى جهنم أو صعوداً إلى الفردوس، سيصل سريعاً مَنْ يرتحل وحيداً”.
صادف الجنديان أثناء أداء هذه المهمة العديد من المخاوف، انتهت بموت العريف بليك بمدية طيار ألماني سقطت طائرته في الحظيرة التي كانا فيها، عندما حاولا مساعدته، ليكمل سوكفيلد المهمة وحده، مارّاً خلالها بالعديد من المخاطر الحربية، خاصة في البلدة البلجيكية المدمرة إذ تم مجابهته بالرصاص، لكنه نجح في تجاوزها بعد أن رمى نفسه في النهر، الذي أوصله مباشرة إلى مكان الفيلق الذي بدأ هجومه من خلال انطلاق الدفعة الأولى، وبعد جهد كبير من الجندي سوكفيلد استطاع أن يصل إلى مخبأ القائد ماكنزي، وينقل له وثيقة من الجنرال تأمره بوقف الهجوم، وفي نفس الوقت بحث عن الجندي جوزيف بليك من بين الجرحى، خاصة وأنه كان من بين الدفعة الأولى التي هاجمت، وعندما وجده أخبره بما وقع لأخيه العريف بليك، وقدم له متعلقاته الشخصية.

جمالية الخنادق والوحل وأكياس الأتربة

أعاد المخرج سام مندز محاكاة أجواء الحرب، وهذا من خلال تجسيد أساسيتها، بحفر أميال من الخنادق وإعادة رصّها بأكياس من الأتربة والخشب، وخلق خطوطا دفاعية لكل من الجيشين البريطاني والألماني، مزودة بأكوام الأتربة والأسلاك الشائكة والحواجز والحفر، وأعاد بناء خراب مدينة، كما أوجد فيها خصوصية عمل كل جهة، ما أعطى نوعا من المحاكاة الأساسية ساهمت بشكل كبير في نجاح الفيلم، إذ جعل المشاهد يحس بالوحل الذي تدوسه الأقدام، والبرك التي يسقط فيها الجنود، وأعطاه نوعا من المصداقية. وقد خلق هذا الديكور الحربي مستويات جمالية كبيرة، بعد أن تم نقل مشاهده المتنوعة بواسطة المصور الموهوب روجر ديكنز عن طريق لقطته الممتدة التي مرت بين تلك الخنادق المتعرجة والمستقيمة، ومن خلالها وقف المشاهد على العديد من مآسي الوجوه العابسة والحزينة والباكية والخائفة والمرتعشة والدامية والجريحة للجنود الذين يواجهون الموت بأجساد لا يملكون سلطانا عليها، تنطلق في مواجهة الموت المحتوم عن طريق أوامر القيادات العليا.

لم تنقل كاميرا ديكنز انفعالات الجنود فقط، بل تعدتها إلى الجثث المنتشرة التي في البرك والوحل والأسلاك الشائكة والطافية على الماء وتحت الأنقاض، أو تلك التي تنخرها الجرذان الجائعة، أو الخيول والأبقار النافقة، هي صور الحرب القذرة التي نقلها سام مندز كي يعيد تذكير جمهور الحاضر بمآسيها، لمعايشة الألم بأثر رجعي وفي نفس الوقت حتى يقف عليها ولا يعيد تشكيلها من جديد.
لم يقتصر المستوى الجمالي على ما هو مذكور فقط، فهناك العديد من الجوانب الأخرى، أبرزها ما قام به فريق الإضاءة في العديد من المشاهد، وأهمها عملية قصف المدينة المهجورة وهرب الجندي فيها، إضافة إلى رمزية وجمالية مفتتح الفيلم وختامه، أين كانت البداية عن طريق صورة بانورامية لحقول ممتدة، لترجع إلى الوراء حيث بليك ممتد على الأرض، فيما سوكفيلد يضع رأسه على جذع شجرة، ليختتم الفيلم بسوكفيلد وحيدا يضع رأسه على جذع شجرة أخرى.

الاحتفاء بالحداثة وخلق الأسلوب

يحتفي فيلم “1917” بالحداثة بشكل ما، من خلال التركيز على اللقطة الممتدة من كاميرا واحدة، لكن في المقابل لا يزال أسير الموضوع القديم الذي يحتفي بالبطل الحربي ويصوره بشكل مبالغ فيه أو المنزه عن الأخطاء. وهذا ما لاحظناه مثلا في شخصية الجندي سوكفيلد التي تم رسمها في مظهر البطل، كما أن هناك العديد من المشاهد التي تحتفي بهذه البطولات، مثل أن هذا الجندي البريطاني تحصل على وسام الشجاعة من الجيش، لكنه قام بمقايضة هذا الوسام بزجاجة نبيذ يملكها ضابط فرنسي، وهذا مشهد يعكس نظرة البريطاني بشكل عام إلى الفرنسيين، من خلال العداء التاريخي الذي لا ينتهي، وكأنه يقول بأن الجندي البريطاني بطل في الميدان، لكن الضابط الفرنسي اتكالي وينتصر بجهود الآخرين، ويتشرف بأوسمة ليست له، وكأن المخرج يقول بأن بريطانيا ساعدت في الكثير من الحروب فرنسا، لكن الأخيرة تنسب لنفسها بطولات زائفة وليست لها. كما أن هناك مشهداً آخر يعكس كرم الجندي البريطاني ومروءته، من خلال تقديم طعامه إلى امرأة فرنسية لا يعرفها ووجدها صدفة، فقدم الحليب لرضيعها الذي تبنته.

فيلم “1917” من الأفلام الجديدة التي قدّمت جرعة فنية كبيرة، ونقلت مآسي الحرب بطريقة مبتكرة غير تقليدية في جوانب عدة، وهي شجاعة من المخرج سام مندز الذي ذهب إلى ما هو مختلف لتقديم عمل مغاير، رغم أن الموضوع يتقاطع في الكثير من الأشياء مع أفلام أخرى، مثل فيلم “إنقاذ الجندي رايان” 1998، لستيفن سبيلبرغ، الذي يرتكز على فكرة الإنقاذ والبطولة، حيث تتمحور قصة هذا الفيلم أيضاً على عملية إنقاذ تقوم بها مجموعة صغيرة يرأسها النقيب جون ميلر للعثور على المجند رايان لإعادته إلى الوطن بعد مقتل 3 من أشقائه في نفس الحرب الدائرة، لكن طريقة المعالجة التي اعتمدها مندز لخلق لغة سينمائية على حساب الحوار المقتضب والمكثف بين الشخصيات جعله يتجاوزها جميعا، ما جعله محل احتفاء لدى أكبر المهرجانات العالمية.

مصدر www.theguardian.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.