الجهات التسع

الموسيقى.. حتى لا تكون الحياة غلطة

في أحد المطاعم الدمشقية، وبعد يوم طويل من العمل، منحت نفسي بعضا من الوقت في حفل جميل، ربما كان الجميع مثلي متعبين، وإذ بصوت أغنية بدأ يعلو تدريجيا أعادني إلى غرفتي القديمة حين كنت أبلغ من العمر 18 عاما. حملتني هذه الموسيقى إلى فسحة الرقص، وازدحم المكان، وتلاشى شعوري بالتعب في تلك اللحظة، وبدأت أرقص بشغف، وحين عدت إلى طاولتي أدركت أن أغلب الحضور من جيل واحد.
ولئن كانت دعوة ذكية لرقصة جماعية بكونترول خفي من “الدي جيه” استطاعت أن تفرز ما يكفي من هرمون الأندروفين فحدت من التوتر والشعور بالألم، فقد تذكرت حينها قصة المؤلف الموسيقي الفرنسي هيكتور برليوز حين ذهب بصحبة أستاذه ليزوير إلى دار الأوبرا للاستماع إلى عزف للسمفونية الخامسة لبتهوفن، وحين سأل برليوز أستاذه عن رأيه بما سمع، أجابه: “أصبت بالذهول لدرجة أنني عندما أردت أن أرتدي قبعتي بحثت عن رأسي فلم أجده”.
الموسيقى كلمة يونانية الأصل، وتعني سابقا الفنون جميعا، وأصبحت فيما بعد تطلق على لغة الألحان فقط. والموسيقى فن يبحث عن طبيعة الأنغام من حيث الاتفاق والتنافر، هي لغة للحياة تبدأ من أصوات الطبيعة كموج البحر وحركة الأشجار والعصافير والمنازل واختلاف أصوات الأشخاص، إنها هوية فردية، وجماعية أيضا، فتستخدم حيوانات نغمات خاصة للتواصل مع فصائلها، واستخدمت الشعوب الموسيقى للدلالة على جغرافيتها أو حضارتها التي تميزها، فاختلفت المقامات الموسيقية من مكان لآخر. يقول الحكيم الصيني كونفوشيوس: “إن أردت معرفة مقدار بلد من المدنية والحضارة فاستمع إلى موسيقاه”.

طبول الحرب

منذ بداية التكوين لم تتوقف طبول الحرب، وكان استخدام هذه الطبول وما يرافقها من موسيقى أساسيا للحماسة، أو لبعث الرغبة والخوف في صفوف العدو، فتعزف الموسيقى بتردد الصوت صعودا وهبوطا.

بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967 قررت أم كلثوم توظيف صوتها لدعم الجيش المصري، فأقامت حفلات عديدة دعما للمجهود الحربي، كما جاءتها دعوة، في تشرين الثاني/نوفمبر من نفس العام، من الجنرال شارل ديغول لرفع معنويات العرب هناك بعد الهزيمة، فأنشدت أغانيها على مسرح الأولمبيا في باريس. وكان الغناء المقاوم بأرض الحرب في سيناء يصدح صباحا ومساء، وبعد صمت الهزيمة، كان لأغنية عبد الحليم حافظ “عدّا النهار” دور في تخفيف حزن الشارع العربي. أما ” أحلف بسماها وبترابها” فكأنها أعلنت نهاية الهزيمة، وأقسم حليم أن يغنيها في جميع حفلاته حتى تحرير سيناء.
في الحرب العالمية الأولى، ومع وصول البعثات الأميركية، انتشرت موسيقى الجاز في أوروبا، وكانت الفرق الأميركية ترتجل العزف حتى تعاظم تأثير الجاز. لقد ساعدت الحروب في اختلاط الثقافات، وأطلقت التحولات الموسيقية مع هجرة الملحنين من بلد إلى آخر.

الموسيقى من الإيمان

جاء في الحديث ليس “منا من لم يتغن بالقرآن” و”زينوا القرآن بأصواتكم”، فالنصوص الصامتة لا تستطيع أن تسموا دائما بالمشاعر والعواطف، فيضفي التجويد والترتيل المتعة والجمال، ويلعب دورا في قدرة النص على التأثير في النفس البشرية.

في العصر العباسي انتقل العرب من الاستماع إلى الموسيقى والاستمتاع بها إلى مرحلة الإنتاج الموسيقي؛ فاجتهدوا بابتكار الموسيقى، وقواعدها، ومقاماتها، وموشحاتها، وعنوا بتوثيقها، وأضافوا الوتر الخامس إلى العود، كما ابتكروا آلات جديدة كالربابة والقانون.
وربما كان لهارون الرشيد الخليفة العباسي فضل في تطوير صنعة الغناء حين لمس فسادا في هذه الصنعة، فأمر مغنيه إبراهيم الموصلي بجمع أفضل 100 صوت (أغنية) في كتاب ليفصل الغث عن السمين، ووصل الأمر حدّ منع الكثيرين من الغناء في قاعات بغداد آنذاك، حتى لا يسود إلا الجيد منه، ولذلك لجأ غالبية المغنين إلى مدرسة الموصلي لتعلّم أصول الموسيقى والغناء. وكان زرياب أحد تلاميذ الموصلي، أسس معهدا لتعليم الموسيقى في الأندلس، ناقلا علوم الموسيقى العربية إلى الغرب.
وضع أبو الفرج الأصفهاني (ما بين القرنين التاسع والعاشر الهجري) كتاب “الأغاني” وجعل مبناه كما ذهب ابن خلدون “على الغناء في المائة صوت التي اختارها المغنون للرشيد، فاستوعب ذلك أتم استيعاب وأوفاه. ولعمري إنه ديوان العرب، وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الأحوال، ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه، وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها، وأنى له بها”.

يقول الأمام الغزالي (ما بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلادي) في كتابه إحياء علوم الدين إن “من لم تطربه أوتار العود فهو فاسد المزاج ليس له علاج”. الموسيقى وسيلة لتدريب النفس على الكمال الروحاني، فمن خلال التناغم يمكن لروح المتصوف أن تصل إلى الأصل السماوي.. هذا ما تراه الصوفية. وأسس جلال الدين الرومي للمولوية، الشكل الموسيقي الشهير للصوفية، كما ظهر نوع غنائي يقوم به المؤذن بعد صلاة التراويح في رمضان (المناجاة). ولم يكن مستغربا أن شيخ المنشدين النقشبندي تعاون مع بليغ حمدي، والموجي، وغيرهما، لحنوا له القصائد الصوفية التي أنشدها، واستخدمت آلة القانون في الألحان. ويتلقى المؤذنون دروسا في تقنيات رفع الآذان، فيكون مصدرا للفرح والنشوة والتقرب الى الله.
ربط القديس أوغسطين (القرن الخامس الميلادي) بين الموسيقى والإيمان، فقال: “صعدت الموسيقى إلى أذني، وتوغلت الحقيقة في قلبي، وتفاقمت مشاعري من الولاء”. لاحقا، أدخلت الكنيسة الآلات الموسيقية إلى ساحاتها، وأصبحت الفرق الموسيقية تعزف إلى جانب التراتيل، وكان من بين مؤلفي الموسيقى الكنائسية: يوهان باخ، جورج فريدريك هاندل، وفرانسوا كوبيرن… أما موسيقى القداس فكان أشهر المؤلفين فيها موزارت (مثلا قداس الموت 1971)
استخدم اليهود الموسيقى في صلواتهم التلمودية، وتذهب مصادر تاريخية إلى أن أوركسترا معبد القدس العادية، عام 70 ميلادية، تألفت من اثنتي عشرة أداة، وتشكلت جوقة المغنين من اثني عشر مطربا ذكرا. بعد تدمير الهيكل منع الحاخامات استخدام الآلات أثناء الصلاة، كالطبول والصنوج والأبواق، حدادا على سقوط المعبد. في الشتات عاد اليهود لاستخدام الموسيقى في صلواتهم التلمودية حتى يومنا هذا.

سموّ الروح

ذهب أفلاطون إلى أن الموسيقى ألغت احتمال أن تكون الحياة غلطة. وقال فيثاغورس إن بدايته مع الرياضيات كانت عبر تأمل الموسيقى وانتظامها. ووضع الفارابي كتاب الموسيقى الكبير، وبيّن أثر الموسيقى في النفس وانفعالاتها. واعتبر كثيرون الموسيقى غذاء للروح، لما يمكن أن تحدثه من أثر كبير في روح الإنسان.

دخلت الموسيقى اليوم ضمن برامج العلاج النفسي للأطفال والمراهقين وكبار السن، وفي علاج الاكتئاب والمشاكل النفسية والعقلية، ومراكز علاج مرضى السرطان. تساعد الموسيقى المراهق في السيطرة على عواطفه، وفي تحسين قدرته على التركيز، فتزيد ثقته بنفسه، وفهم عواطفه الكامنة، فهي تعتبر مسكنا للألم، وتساعد على النوم، وتؤثر في عملية التعليم، وتنمي حواس الإنسان. والموسيقى الهادئة تخفف من أعراض النوبات المرضية. كما ترتبط الموسيقى بشعورنا بزمان ومكان معينين، فتكون ذكرى جميلة، أو حزينة، فتعيد تشكيل مشاعرنا في لحظة سماعها (موسيقى فيلم تايتانيك مثلا!)
الموسيقى اليوم هي أحد أهم الأساليب في التربية الاجتماعية. حتى زرياب لم يكتف بالموسيقى، التي اعتبرها ضمن السلوكيات الإنسانية الضرورية، فأضاف ثقافة “الإتيكيت” إلى نشاط معهده، وتوافد عليه أولاد ملوك وأمراء وأعيان أوروبا ليتعلموا كل ما يحتاجه الإنسان ليصبح مثقفا، ويفرض حضوره في المجتمع الذي ينتمي إليه.

أصبح الموسيقي الشهير إغناتسه يان بادروفسكي (1860- 1941) رئيسا للبرلمان البولندي، وحين كان في باريس لحضور مؤتمر فرساي، طلب اجتماعا عاجلا برئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو، وحين تمت المقابلة، سأله كليمنصو: هل تمتُّ بصلة قرابة للموسيقي البولندي الشهير؟ أجابه: أنا هو ذاك. فردّ عليه كليمنصو ببعض المكر: أنت الفنان الذي يحتفل به العالم أجمع وقد أصبح سياسيا؟ كيف انحدرت إلى هذا الدرك الوضيع؟
برأي إميل سيوران، يصعب معرفة ما تستثيره الموسيقى في دواخلنا، لكن ما نعرفه هو أن الموسيقى تصل إلى منطقة غائرة العمق، إلى الحد الذي لا يستطيع حتى الجنون نفسه التسلل إليه، وكان يخشى الاستسلام لإغواءات الموسيقى ومديحها لنفسه، ولكل العوالم التي بعثها ودمّرها في داخله، لأنه لو فعل ذلك لكان منذ زمن بعيد قد فقد عقله من الزهو.
ذهبت الأديبة الأميركية أورسولا لي جوين إلى أن “الموسيقى هي طريقة أخرى للتفكير، بل ربما كان التفكير هو نوع آخر من الموسيقى”. وأضيف: الموسيقى هي المكان الوحيد الذي يتيح أكبر المساحات لصوتي، بعد أن ضعفت قدرتي على الكلام الواقعي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.