الجهات التسع

مايلز ديفيس: أصعب ناقد أتعامل معه هو نفسي

“أنا لا أعير أي اهتمام لما يقوله النقاد عني، سواء أكان جيدا أو سيئا. أصعب ناقد أتعامل معه هو نفسي، ولا جدوى من عزف أي شيء أعتقد أنه سيء. في المدرسة الثانوية كنت الأفضل في العزف على البوق، لكن الجوائز كانت تذهب إلى الأولاد أصحاب العيون الزرقاء؛ فقررت أن أتفوق على أي شخص أبيض”.
يعتبر قائل هذه الكلمات مايلز ديفيس (1926- 1991) الذي تمر هذا الشهر ذكراه الثامنة والعشرون، واحدا من مؤسسي موسيقى الجاز الحديثة، وتأثيره في موسيقى الجاز يعادل تأثير بيكاسو في الفن الحديث، وتأثير همنغواي في الأدب المعاصر. فالطريقة المتألقة العاطفية التي يعزف بها الموسيقى شديدة التأثير في موسيقى الجاز الحديثة.
ولد ديفيس في إلينوي عام 1926 لوالد جراح أسنان شهير، وأسرة داعمة للموسيقى. بدأ تعلم العزف على البوق في سن 13، وسرعان ما طور موهبته في العزف تحت رعاية صديق والده إلوود بوكانان الذي كان يدير مدرسة للموسيقى.

بداية الاحتراف

عزف ديفيس باحترافية بداية من عمر 17، بعدما سافر إلى نيويورك والتحق بمدرسة جويليارد (معهد الفنون الموسيقية) والتقى خلال ذلك العديد من الموسيقيين الذين عزف معهم.

في نهاية المطاف طور أسلوب bebop وهو أسلوب سريع ومرتجل شكل أساس موسيقى الجاز الحديثة. بين عامي 1945 و1948 سجل ديفيس العديد من المقطوعات الموسيقية، عمل خلالها على تطوير أسلوبه الارتجالي، ثم شكل فرقته الموسيقية وأصدر سلسلة من الأغنيات الفردية ضمن ألبوم birth of the cool.
في أوائل الخمسينيات أدمن ديفيس على الهيروين، وبقي قادرا على التسجيل، لكن عروضه تأثرت وأصبحت أكثر عشوائية. في نهاية الخمسينيات أصدر ألبوم kind of blue الذي يعتبر واحدا من أهم ألبومات موسيقى الجاز على الإطلاق، وباع أكثر من مليوني نسخة.
استمر ديفيس في النجاح طوال فترة الستينيات، وكانت فرقته تتجدد باستمرار، وكل أعضاء فرقته أصبحوا من أهم موسيقيي الجاز. تطورت موسيقى ديفيس لتندمج مع موسيقى الروك، وهنا مهد الطريق لحركة دمج موسيقى الجاز مع أنواع أخرى، بالرغم من أن معجبيه التقليديين لم يرحبوا بهذا الأسلوب، لكنه جسد قدرته على التجريب وتخطي الآراء النقدية، ودفع أسلوبه الموسيقي الخاص إلى أقصى الحدود.

الأفكار الشخصية

استطاع ديفيس دائما تجاهل الآراء النقدية وآراء الكارهين له، الذين اعتبرونه يتعامل مع الجمهور باستعلاء، لأنه لا ينظر إلى الجمهور، ولا ينحني على المسرح، ولا يتحدث مع الناس. كان يقول دائما إنه عازف بوق فقط، ولا يمكنه فعل شيء آخر سوى ذلك، وعندما يحين دور أي موسيقي آخر، يقف بالجوار منتظرا حتى يحين دوره، أو يذهب إلى عازف البيانو أو عازفي الطبول ليستمع إليهم، حتى يحين دوره مجددا. أثناء العزف هو يعمل فقط، ويتساءل هل يمكن أن يطلب أحد من الطبيب أن يتحدث أو يبتسم أثناء خياطة جرح ما؟
كان ديفيس يفضل التعبير عن الحب للناس والتواصل معهم عن طريق العزف، ولم يرغب أبدا في تغيير طريقته، قائلا “هل سبق أن حاول أحد التحدث مع الموسيقيين الكلاسيكيين أثناء العمل؟”

مقتطفات من حوار مع مايلز ديفيس

كان ديفيس يؤكد دائما أهمية التعامل العادل مع الزنوج، وأن تكون لهم نفس الحقوق التي يتمتع بها البيض، معتبرا أن الرجل الأبيض ما زال يتعامل بعقلية استعلائية بالرغم من تحرر الزنوج. لا يحب ديفيس مقارنات النقاد ولا قوائمهم، ويعتقد أن لكل فنان نمطه وأسلوبه الخاص، ولا يفضل العزف في الأماكن التي تستعمل موسيقى الجاز كخلفية، والناس الذين يشربون أكثر من اللازم، ويصرخون بصوت مرتفع، ويتعاملون مع العازفين كأدوات للترفيه.
في هذه المقتطفات من حوار ديفيس مع مجلة “بلاي بوي” نتعرف عن قرب على أسطورة موسيقى الجاز الحديثة، وشخصيته القوية وأفكاره التي لم تتغير على مدار سنوات عمره.

(*) هل تشعر أن الشكاوى المتعلقة بك جماهيريا ونقديا هي بسبب عرقك؟

– لدى الأشخاص البيض بعض الأشياء التي يتوقعونها من الموسيقيين الزنوج، ويعود ذلك إلى أيام العبودية، واستمر حتى الآن، فهم لا يريدونك فقط أن تعزف على آلتك الموسيقية، لكن أن تكون وسيلة للترفيه عنهم مع الابتسام والرقص.

(*) بشكل عام ما هي مشاعرك فيما يتعلق بالعرق؟

– أكره التحدث بشكل عام لأن لدي أصدقاء مختلفين، وعندما أقول إن بعضا من أفضل أصدقائي من البيض فأنا لا أكذب.

“الموسيقى عمل شاق ومسؤولية كبيرة”

الأشخاص البيض الذين لا أحبهم هم الأشخاص المتحاملون، الذين لا يفهمون أن كل الأجناس (الزنوج، الصينيون، البورتريكيون، وغيرهم من الأجناس الأخرى غير البيضاء)، يجب أن تحظى بالكرامة والاحترام مثل أي شخص آخر. هؤلاء المتحاملون لا يمكنهم رؤية الأجناس الأخرى مجرد أفراد. مثلا إذا قام رجل أبيض بسرقة بنك، فهي مجرد سرقة لبنك، ولكن إذا فعل ذلك زنجي أو صيني مثلا، فهم يتهمون الزنوج أو الصينيين بالكامل. كل ما يريده الزنوج هو أن يكونوا أحراراً في بلدهم، مثل أي شخص آخر. يقع اللوم على الزنجي دائما، حتى إذا وقعت في حبه امرأة بيضاء.

(*) ما هو دور الفضول في الموسيقى الخاصة بك؟

– الموسيقى عمل شاق ومسؤولية كبيرة، وأنا دائما أشعر بالفضول حول تجربة أشياء جديدة في الموسيقى، صوت جديد، طرق جديدة للعزف، الفضول هو الدافع دائما للتجربة.

(*) ماذا بشأن فضول الجماهير؟

– في إحدى الحفلات بكنساس خرجت سيدة من الجمهور وطلبت مني تناول مشروب معها ومع زوجها، وعندما أخبرتها أنني لا أحب ذلك، قالت بصوت عال “قالوا إنك هكذا”. وقتها تمنيت أن أركل الجميع وأقذف البوق، لكن قلت لنفسي سأحاول أن أعلمهما شيئا ما، وذهبت للتحدث معهما. قلت لهما إن المسؤولية الأولى للفنان هي مسؤوليته تجاه نفسه، إذا ظل مستاء مما يعتقده فيه الآخرون فلن يعمل. حاولت أن أخبرهما كيف عملت طوال حياتي لأعلم نفسي وأكوّن فرقاً يحب الناس سماعها، وفي كثير من الأحيان عندما يريد أشخاص التحدث معي، أقلق بشأن فرقتي وتفكيرها. في نهاية الأمر قالا إنهما تفهما وآمل أن يكونا تفهما فعلاً.

(*) يقال إنك لا تحب حفلات موسيقى الجاز. لماذا؟

– لا يمكن لأحد الاسترخاء في الحفلات الموسيقية، لا يمكنك أن تفعل شيئاً سوى الجلوس. لا يمكنك التنقل، ولا تناول مشروب. إذا لم يستطع الموسيقي الاسترخاء، فكيف يجعل الناس يشعرون بالراحة. المشاعر هي العامل الرئيسي في موسيقى الجاز.

(*) هل أنت حساس بشأن كونك زنجياً؟

– أول شيء أتذكره عندما كنت طفلا صغيرا هو رجل أبيض يركض خلفي وهو يصرخ: زنجي زنجي، وذهب أبي ليطارده ببندقية. ولد والدي مايلز الأول بعد ست سنوات من تحرر العبيد وأراد أن يعزف الموسيقى، لكن جدي كان يريد منه أن يكون مجرد أداة لتسلية البيض، فقرر أن يذهب إلى الشمال الغربي ليصبح جراحا للأسنان.

(*) يقال إنك أحد الموسيقيين الميسورين ماليا. هل هذا صحيح؟

– أنا لا أعرف شيئاً بخصوص الحسابات المصرفية للموسيقيين الآخرين، لكنني لم أكن أبدا ضمن الفقراء. لدي حاليا محفظة استثمارية من الأسهم، ومنزل يساوي ستة أرقام. أطفالي الأربعة يعيشون حياة جيدة، ويذهبون إلى مدارس ممتازة. يتدربون في صالة الرياضة في الطابق السفلي من منزلنا. ببساطة لقد حصلت على كل شيء يمكن أن يريده رجل.

إصدار جديد لديفيس

بقي ديفيس لفترة طويلة في المسار الذي سلكه منذ عام 1983، حيث جمع بين موسيقى البوب الحديثة والروك والموسيقى الإلكترونية. في عام 1985 سجل أغنية maze ثم بعد شهر سجل قطعة موسيقية بعنوان rubber band. بعد عشرات التجارب والتسجيلات أسفر الأمر في النهاية عن بعض الشظايا المتفرقة دون أي شيء متماسك.توفي ديفيس قبل أن ينهي ألبومه الأخير DOO- POP عام 1991، ثم صدرت له بعده أغنيتان لم تأخذا الكثير من الاهتمام في ذلك الوقت.الآن وتزامنا مع ذكراه جمعت المقطوعات الثلاث مع ثماني مقطوعات أخرى في ألبوم جديد بعنوان RUBBER BAND يعتبر بمثابة هدية لكل محبي موسيقى ديفيس في الثمانينيات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.